لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد أداة تقنية تعمل في الخفاء، بل تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى عنصر جدلي حاضر في قلب المشهد الثقافي، وخصوصًا في عالم الرواية. ومع انعقاد الدورة الحالية من معرض القاهرة الدولي للكتاب، تتقدّم هذه الإشكالية إلى الواجهة، بوصفها واحدة من أكثر القضايا إثارة للأسئلة بين الكتّاب والناشرين والنقّاد: هل نحن أمام تطور طبيعي في أدوات الكتابة، أم أمام تهديد جوهري لفكرة الإبداع نفسها؟
أولًا: من سؤال المستقبل إلى واقع النشر
قبل سنوات قليلة، كان الحديث عن “رواية يشارك في كتابتها الذكاء الاصطناعي” يبدو أقرب إلى الخيال العلمي. اليوم، لم يعد السؤال: هل سيحدث ذلك؟ بل: كيف يحدث، وبأي حدود، وتحت أي مسمّى؟
في أروقة المعرض وندواته، يتكرر النقاش حول تحوّل الذكاء الاصطناعي من فكرة نظرية إلى ممارسة فعلية، سواء بوصفه موضوعًا داخل النصوص الروائية، أو أداة مساعدة في مراحل إنتاجها.
ثانيًا: الذكاء الاصطناعي كموضوع سردي
على مستوى المتن الروائي، بات الذكاء الاصطناعي عنصرًا سرديًا قائمًا بذاته. روايات عديدة — عربية وعالمية — توظّف الخوارزميات بوصفها شخصية، أو عقلًا موازياً للإنسان، أو قوة خفية تدير العالم.
لا يقتصر هذا التوظيف على روايات الخيال العلمي، بل امتد إلى الرواية الاجتماعية والسياسية والفلسفية، حيث يصبح الذكاء الاصطناعي مرآة تُعكس عليها مخاوف العصر: فقدان الخصوصية، هيمنة المراقبة، تآكل الإرادة الحرة، وتحويل الإنسان إلى “بيانات”.
هذا الحضور السردي يعكس وعيًا متزايدًا بأن الرواية، بوصفها فنًّا تاريخيًا، لطالما استجابت لتحولات الواقع، من الثورة الصناعية إلى العولمة، وها هي اليوم تدخل زمن الثورة الرقمية والخوارزمية.
ثالثًا: الذكاء الاصطناعي كأداة خلف الكواليس
الأكثر إثارة للجدل هو استخدام الذكاء الاصطناعي في مراحل كتابة الرواية نفسها، دون أن يظهر ذلك للقارئ.
كثير من الكتّاب باتوا يستخدمون أدوات ذكية في:
اقتراح أفكار أولية للحبكات.
رسم ملامح الشخصيات وتاريخها النفسي والاجتماعي.
تنظيم البنية الزمنية للرواية.
المراجعة اللغوية الأولية أو إعادة الصياغة.
هذا الاستخدام يشبه، في نظر البعض، الاستعانة بالمحرر الأدبي أو القاموس أو برامج التدقيق اللغوي، بينما يراه آخرون خطوة تتجاوز “المساعدة” إلى التدخل في جوهر الفعل الإبداعي، خصوصًا إذا تحوّل الكاتب من صانع للنص إلى مُنسّق لمخرجات الخوارزمية.
رابعًا: الناشر بين السوق والثقافة
في معرض القاهرة، يظهر بوضوح أن دور النشر ليست بعيدة عن هذا التحول. فالسوق الثقافي اليوم يفرض إيقاعًا سريعًا: عناوين أكثر، مواسم أقصر، ومنافسة حادة مع المحتوى الرقمي.
من هذا المنطلق، يغري الذكاء الاصطناعي بعض الناشرين بوعده بتقليل الوقت والكلفة، وتسريع مراحل الإنتاج. لكن هذا الإغراء يصطدم بسؤال جوهري:
هل يؤدي ذلك إلى روايات أكثر عددًا وأقل فرادة؟
وهل تتحوّل الرواية إلى منتج “مُصنّع” يخضع لمنطق السوق بدل منطق التجربة الإنسانية؟
خامسًا: إشكالية الملكية والشفافية
أحد أكثر الملفات حساسية في النقاش الدائر داخل المعرض يتعلق بالملكية الفكرية.
إذا ساهم الذكاء الاصطناعي في توليد أفكار أو مقاطع نصية، فمن هو المؤلف الحقيقي؟
وهل ينبغي الإفصاح عن هذا الاستخدام للقارئ؟
القارئ، من جهته، يقف أمام معادلة جديدة:
هو يتقبّل استخدام التقنية في التحرير والتدقيق، لكنه قد يرفض نصًا يشعر أنه كُتب بلا معاناة، بلا تجربة، بلا صوت إنساني متفرّد. وهنا تصبح الشفافية عنصرًا أخلاقيًا لا يقل أهمية عن الجودة الفنية.
سادسًا: الرواية كفعل إنساني لا يُختصر
النقاش الذي يفرضه معرض القاهرة لا ينتهي عند حدود القبول أو الرفض، بل يتجاوزهما إلى إعادة تعريف الرواية نفسها.
فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدرته على المحاكاة، يظل عاجزًا عن امتلاك التجربة، والذاكرة، والخسارة، والحنين، وكل ما يجعل الرواية فعلًا إنسانيًا قبل أن تكون نصًا لغويًا.
الرواية لا تُقاس فقط بسلامة البناء أو براعة الحبكة، بل بقدرتها على ملامسة القارئ، وإرباكه، وترك أثر داخلي طويل الأمد — وهي منطقة لا تزال حكرًا على الإنسان.
في الدورة الحالية لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، لا يُطرح الذكاء الاصطناعي بوصفه خصمًا للرواية، ولا منقذًا لها، بل اختبارًا جديدًا لوعي الكاتب والناشر والقارئ معًا.
فالتقنية، في نهاية المطاف، أداة محايدة؛ قيمتها تُستمد من الطريقة التي تُستخدم بها. أما الرواية، فستبقى — مهما تغيّرت الوسائل — فعلًا إنسانيًا يُكتب من التجربة، ويُقرأ بالشغف، ويُخلَّد بالصدق.

More Stories
تأجيل فعاليات كتارا حتى إشعار آخر
علي ثويني يقرأ العمارة بوصفها لغة:صدور «العبارة والعمارة» في مقاربة فلسفية جديدة
“فرانكنستاين يعود إلى موطن الإلهام… متحف بريطاني يعيد قراءة ماري شيلي بعد قرنين”