مارس 2, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة: صرخة إنسانية تتجدّد كل عام

تؤكد تقارير الأمم المتحدة أن امرأة واحدة من بين كل ثلاث نساء على مستوى العالم تتعرض لشكل من أشكال العنف الجسدي أو الجنسي خلال حياتها.

في الخامس والعشرين من تشرين الثاني من كل عام، يقف العالم أمام واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً في العصر الحديث: العنف ضد المرأة. مناسبة لا تحتفل بها الشعوب، بل تستلهم منها الوعي والمسؤولية، وتعيد فيها التذكير بأن نصف المجتمع ما زال يواجه انتهاكات تهدّد سلامته ووجوده وكرامته، داخل البيت وفي الشارع وفي أماكن العمل، وأحياناً تحت مظلة العادات والقوانين والأنظمة الاجتماعية.

يأتي هذا اليوم في إطار حملة عالمية تمتد على ستة عشر يوماً من النشاط، وتنتهي في العاشر من كانون الأول، الذي يصادف اليوم العالمي لحقوق الإنسان، في تلازم مقصود يذكّر بأن العنف ضد المرأة هو انتهاك مباشر لحقوق الإنسان الأساسية.


لماذا 25 نوفمبر؟

لم يكن اختيار هذا التاريخ مصادفة، بل هو تخليد لذكرى الأخوات ميرابال الثلاث اللواتي اغتيلن في جمهورية الدومينيكان عام 1960 بسبب نشاطهن السياسي ومطالبتهن بالحرية والعدالة. كان قتلهن صدمة هزّت المجتمع الدولي وأصبحت فيما بعد رمزاً لمقاومة الظلم والعنف ضد النساء. ومنذ عام 1981 بدأت الحركة النسوية الدولية إحياء هذا اليوم، إلى أن كرّسته الأمم المتحدة رسمياً يوماً عالمياً في عام 2000.


العنف ضد المرأة… أرقام وأبعاد

تؤكد تقارير الأمم المتحدة أن امرأة واحدة من بين كل ثلاث نساء على مستوى العالم تتعرض لشكل من أشكال العنف الجسدي أو الجنسي خلال حياتها. كما ترتفع معدلات العنف الأسري، والعنف القائم على التمييز، وجرائم “الشرف”، والاتجار بالبشر، والاستغلال الاقتصادي، وصولاً إلى العنف الرقمي الذي يزداد انتشاراً في عصر التكنولوجيا.

لا يفرّق هذا العنف بين دول غنية أو فقيرة، ولا بين مجتمعات شرقية أو غربية، فهو ظاهرة عالمية تعكس خللاً بنيوياً في الفكر والمجتمع والقوانين، وفي صورة المرأة داخل الوعي الجمعي.


أهمية هذا اليوم

يمثل اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة فرصة لتذكير الحكومات والمؤسسات والمجتمعات بأدوارها ومسؤولياتها، من خلال:

التأكيد على أن العنف ضد المرأة ليس قدراً، بل مشكلة يمكن منعها ومعالجتها.

تعزيز التشريعات التي تحمي النساء والفتيات من العنف بكل أشكاله.

دعم برامج التوعية والتمكين الاقتصادي والاجتماعي للنساء.

خلق بيئة تشجع النساء على التبليغ وعدم الخوف من وصمة العار.

تسليط الضوء على قصص النساء الناجيات والمطالبة بإنصافهن.


العنف ليس جسدياً فقط… بل نفسي أيضاً

تتعدد أشكال العنف من الجسدي المباشر إلى النفسي الذي يترك جروحاً لا تُرى لكنها أشد عمقاً. الإهانة، التحقير، الحرمان العاطفي، السيطرة، التهديد، التلاعب، العزل الاجتماعي… كلها ممارسات تدمّر المرأة ببطء، وتؤثر على صحتها النفسية وقدرتها على العيش والإنجاز.

في السنوات الأخيرة، ظهر مفهوم العنف الرقمي الذي يشمل الابتزاز الإلكتروني، والملاحقة الرقمية، وتسريب الصور، وهي جرائم انتشرت في كل أنحاء العالم وتهدد النساء بشكل كبير.


الدين والحقوق والقانون… موقف واضح من العنف

جميع الأديان والشرائع والمواثيق الدولية تُجمع على حرمة الاعتداء على المرأة وتجريم الإساءة إليها بأشكالها كافة.
كما تؤكد الاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، ضرورة اتخاذ الدول إجراءات فعالة لوقف العنف والتمييز.

في المجتمعات العربية والإسلامية، لا يزال الوعي بحاجة إلى تعزيز مستمر، إذ تختبئ بعض مظاهر العنف خلف مفاهيم مغلوطة، أو عادات تقليدية، أو سلطات اجتماعية تفرض الصمت. لذلك، يصبح دور المؤسسات الدينية والثقافية والتعليمية محورياً في تصحيح المفاهيم واحترام كرامة المرأة وإنسانيتها.


خطوات نحو مستقبل بلا عنف

القضاء على العنف ضد المرأة ليس شعاراً، بل عملية مستمرة تتطلب:

تشريعات صارمة تجرّم العنف الأسري والزواج القسري.

دعم المراكز المتخصصة بحماية النساء وتمكينهن.

تعزيز استقلال المرأة اقتصادياً كأحد أهم عوامل حمايتها.

التربية على المساواة منذ الطفولة، وتنمية قيم احترام المرأة.

إشراك الرجال والشباب في حملات التوعية، لأن مسؤولية التغيير مشتركة.


ختاماً: صوت النساء ليس صدى… بل أصل الحياة

يأتي هذا اليوم ليستعيد العالم صوته، ويعيد للمرأة صوتها.
إن القضاء على العنف ضد المرأة ليس معركة النساء وحدهن، بل معركة إنسانية تعني الجميع.
فالمرأة ليست ضحية، بل إنسانة تخلق الحياة وتبني المجتمعات وتحرّك عجلة التطور.
وأي مجتمع يرفض العنف ضد المرأة هو مجتمع يختار الكرامة والعدالة والمستقبل.

في اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة، لنرفع الصوت معاً:
لا عنف بعد اليوم… ولا صمت بعد الآن.