مارس 2, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

مشهد من رواية خاصرة رخوة

ويُعدّ عمله الروائي خاصرة رخوة أحدث إصداراته الروائية، وقد وقّعها مؤخراً في معرض الشارقة الدولي للكتاب.

الروائي- جمال المسالمة

في مساء حار من أيام تموز (يوليو) كانت الناس تنتظر نتائج اختبارات الشهادة الثانوية كعادتها كل عام، حيث ازدحم الشارع المؤدي إلى المدرسة بحركة المشاة والسيارات، وهم يمنّون النفوس بأن تحصل مدرسة القرية على أعلى المعدلات، وأن يُوثّق طلابها في قوائم المتفو

وعلى الناصية دار نقاش حاد بين مجموعة من المدرسين والمهتمين بالنتائج، وهم يستحضرون تاريخ البلدة العريق في التفوّق والتميز، ويستذكرون نسب النجاح وأسماء المتفوقين والمتفوقات في سنوات سابقة.

فناداهم أبو عبده السمّان من داخل محله وقال:
«علامَ ترتفع أصواتكم وكأنكم تناقشون قضية مصيرية في البرلمان؟ إذا كان راتب أثخن واحد فيكم، بعد خبرة عشرين سنة تعليم، لا يساوي نصف دخل ذاك الصبي الذي يبيع على البسطة غير بعيد عنكم! يا عمي ما ظلّ للعلم قيمة. الله يرضى عليكم، روحوا اقعدوا في بيوتكم وخلّوا الناس تبحث عن رزقها، فكّونا من سوالفكم».

فردّ أبو مهند، وهو أعلاهم صوتاً:
«طول عمرك بتظل طبْل رجوج! اليوم يوم العلم والنجاح، أنت شو فهمك بالحياة؟! انتبه لدكانك ولا تحشر نفسك بموضوع لا تفهم فيه، المستقبل للعلم والتكنولوجيا!».

قال السمّان:
«ما في طبْل غيرك! خلّي العلم ينفعك ويسدّد عنك ديون الطبْل اللي مو عاجبك يا طبْل».

فقهقه الجميع واستمر النقاش وكأن شيئاً لم يكن.

كانت وردة تعدّ الدقائق والثواني لمعرفة محصلتها وترتيبها، وكانت الأم والجدة تلهجان بالدعاء لسعيد بالنجاح والتفوّق.

وبعد طول انتظار وصلت سيارة التربية ونزل منها مدير الثانوية يحمل بيده قوائم الناجحين. فتجمع حوله الحشد واشرأبّت نحوه الأعناق، والكل يصرخ: «أعطني نتيجة فلان!»، «ونتيجة علان!».

فأمسك أبو مهند بمكبر الصوت الذي أحضره معه خصيصاً لهذه الغاية، وأخذ القائمة وبدأ تلاوة أسماء الناجحين ومعدلاتهم. وعندما وصل لاسم وردة نواف قرأ الاسم والمعدل: 99%، وقرأ ملاحظة بأعلى صوته:
«وردة نواف حصلت على المركز الأول على مستوى المحافظة!».

وأردف قائلاً:
«مبارك لوردة، مبارك لوالدها السيد نواف أبي سعيد، مبارك للقرية هذا التفوق! شكراً يا وردة، رفعتِ رأس البلدة على مستوى المنطقة. أنت فخر لأهلك وفخر لأهل بلدتك».

كانت وردة وشقيقاتها على السمع، فتدافعن نحوها وهنّ يصرخن بفرح:
«مبرووووك وردة! مبرووووك! ألف مبرووووك!»
وتجمعن فوقها يحتضنّها ويقبلنها، فوضعت يديها على وجهها وانهمرت دموع الفرح كعادتها.

بعد قليل عاد نواف على متن جرّاره إلى البيت، فاحتضن وردة وقبّلها وبارك لها وقال:
«أنا فخور بكِ… رفعتِ رأسي عالياً».

وفي هذه الأثناء تعالت الأصوات في أرض الدار، واندفع وفد كبير من المهنئين وعلى رأسهم أبو مهند يحمل مكبر الصوت، وهو يقدم التهاني لأبي سعيد ويكيل المديح للمتفوّقة المبدعة وردة.

فاستقبلهم أبو سعيد بالتهليل والترحيب، وسرعان ما أُحضرت الحلويات والعصائر الباردة وقدّمت للمهنئين.

ثم طلب أحد الحضور من أبي مهند إعادة تلاوة أسماء الناجحين، فكررها للمرة الثالثة والرابعة.

كانت سارة والجدة في الغرفة الثانية تنصتان باهتمام وحذر، ولم تسمعا اسم سعيد بين الناجحين.
وانتبه أبو سعيد لعدم ورود اسم ابنه، فتحركت شفاهه حركة حائرة وكتم ما يدور في جوفه ولم يعلّق.

فقالت الجدة:
«أين اسم سعيد؟ سعيد ذكي، ولا يمكن أن يرسب! ليس لدينا فرح ولا نجاح طالما سعيد لم ينجح. نجاحنا هو نجاح سعيد، وفرحنا هو فرحه».

ثم حبست وردة دموعها ونظرت لأخواتها وقالت:
«فرحتي منقوصة برسوب سعيد…».

لاحظ أحدهم وجوم نواف وانتبه أن سعيد راسب، فقال:
«إن شاء الله السنة القادمة نفرح بنجاح سعيد، ومن لا ينجح هذا العام ينجح في العام القادم».

فقال أبو مهند:
«والله نجاح وردة فرحة لكل البلد وفخر لنا جميعاً، ولا ينغّص هذه الفرحة رسوب عشرين شاباً!».

صدر للروائي جمال المسالمة عدد من الأعمال الروائية التي تناولت تحولات الواقع السوري بمختلف مراحله، من بينها: مملكة جبل، أحلام خلف القضبان، بركان الجنوب، رفعت الجلسة، سقوط الدكتاتور. ويُعدّ عمله خاصرة رخوة أحدث إصداراته الروائية، وقد وقّعها مؤخراً في معرض الشارقة الدولي للكتاب.