في مشهد يعكس تحولات الفضاء العام في أوروبا، تستعد مدينة غنت لإطلاق أول مبادرة إنارة رمضانية رسمية في شوارعها التجارية، لتكون سابقة على مستوى بلجيكا، وخطوة تنضم بها إلى مسار أوروبي آخذ في الاتساع خلال السنوات الأخيرة.
المبادرة، التي ينسقها اتحاد مساجد غنت (Vereniging van Gentse Moskeeën)، تحظى بدعم أكثر من 100 تاجر محلي، وستشمل منطقتين حيويتين هما:
Bevrijdingslaan – Phoenixstraat، وWondelgemstraat في حي رابوت.
ومن المقرر أن تُركب الأضواء قبل حلول شهر رمضان بأيام، على أن تُضاء يومياً عند غروب الشمس، تزامناً مع موعد الإفطار، وتستمر حتى نهاية عيد الفطر.
اتحاد المساجد تكفّل بكامل تكاليف المشروع بعد استصدار التصاريح اللازمة من البلدية، مؤكداً أن الهدف لا يقتصر على البعد الديني، بل يمتد إلى دعم الحركة التجارية وتعزيز الروابط المجتمعية في أحياء تشهد نشاطاً ملحوظاً خلال الشهر الفضيل.
سياق أوروبي متصاعد




خطوة غنت لا تأتي بمعزل عن تجارب سبقتها في مدن أوروبية كبرى. فقد كانت لندن السباقة عام 2023 بإطلاق أضواء رمضان في منطقة ويست إند الشهيرة، لتتحول المبادرة إلى تقليد سنوي رسمي مدعوم من البلدية ورعاة من القطاع الخاص، حيث تتلألأ عبارة “Ramadan Mubarak” في قلب العاصمة البريطانية.
وفي ألمانيا، شهد حي إيرنفيلد في كولونيا تعليق لافتات وأضواء رمضانية بمبادرات محلية من التجار والمجتمع المدني، في تجربة أثارت نقاشاً سياسياً وثقافياً واسعاً حول حضور الرموز الدينية في الفضاء العام.
أما في هولندا، فتأخذ المظاهر طابعاً مجتمعياً أكثر من كونها بلدية رسمية، حيث تُنظم موائد إفطار مفتوحة وفعاليات رمضانية في ساحات وأحياء متعددة، من دون اعتماد إنارة مركزية واسعة على غرار لندن.
وفي باريس، يبقى التعامل مع الرموز الدينية في الفضاء العام أكثر حساسية بسبب الإطار القانوني المرتبط بالعلمانية، ما يجعل المبادرات الرمضانية محصورة غالباً في نطاق محلي أو أهلي ضمن الضواحي.
بين الهوية والتجارة
اللافت في التجربة البلجيكية أنها تجمع بين البعد الرمزي والبعد الاقتصادي. فالأحياء التي ستُضاء في غنت تضم كثافة سكانية متنوعة ونشاطاً تجارياً متصاعداً خلال شهر رمضان، ما يمنح المبادرة بعداً عملياً يتجاوز الاحتفاء الشكلي.
ويرى منظمو المشروع أن الإنارة ستضفي طابعاً احتفالياً شبيهاً بأجواء أعياد نهاية العام، لكنها تحمل في الوقت ذاته رسالة واضحة مفادها أن التنوع الديني والثقافي بات جزءاً من المشهد الحضري الأوروبي.
تقليد جديد قيد التشكل
مع دخول غنت هذا المسار، يتشكل تدريجياً تقليد أوروبي جديد: رمضان لم يعد مناسبة تُحتفل بها داخل البيوت أو المساجد فقط، بل أصبح حاضراً في الشوارع، في واجهات المحال، وفي لغة الضوء التي تعبر فوق رؤوس المارة.
وفيما تختلف السياقات القانونية والسياسية من بلد إلى آخر، يبدو أن المشهد العام يشير إلى تحوّل أعمق في علاقة المدن الأوروبية بتنوعها الديني والثقافي — تحوّل يترجم نفسه هذه المرة… بأضواء تتوهج عند الغروب.

More Stories
صدمة بعد العودة من مراكش… فاتورة هاتف بـ48 ألف يورو بسبب “تيك توك”
تصعيد أمريكي – إيراني يشل حركة الطيران ويعطل آلاف الرحلات حول العالم
العلاقات الأقرب مع الخليج تنعش السياحة الناطقة بالعربية في روسيا