مع اقتراب شهر ديسمبر، تتحوّل هولندا إلى لوحة شتوية نابضة بالأضواء والسكينة، حيث تمتزج التقاليد المسيحية العريقة مع الطابع الأوروبي الحديث، ليصبح عيد الميلاد مناسبة اجتماعية وثقافية تحتفي بها المدن والقرى على حدّ سواء، بعيدًا عن الصخب، وقريبًا من روح العائلة والمعنى الإنساني للعيد.
المدن تتلألأ… والأضواء تحكي الحكاية
تبدأ مظاهر الاحتفال مع أوائل ديسمبر، حين تُضاء الشوارع والساحات بسلاسل من الأضواء البيضاء والذهبية، وتكتسي الواجهات بطابع شتوي أنيق. في أمستردام، تتجلّى الاحتفالات بوضوح عبر مهرجان الأضواء السنوي، الذي يحوّل القنوات المائية إلى معرض فني مفتوح، تنعكس فيه الأعمال الضوئية على المياه، في مشهد شاعري يجذب السكان والزوار على حدّ سواء.



أسواق الكريسماس… دفء الروائح واللقاءات
من أبرز ملامح الكريسماس في هولندا أسواق الميلاد المؤقتة التي تنتشر في الساحات التاريخية والميادين العامة. هناك، تفوح روائح القرفة والكاكاو الساخن، وتُعرض الحِرف اليدوية، والزينة التقليدية، والهدايا الصغيرة المصنوعة محليًا. هذه الأسواق ليست فضاءات للتسوّق فحسب، بل أماكن للقاء الاجتماعي، حيث يتبادل الناس التهاني ويتقاسمون لحظات بسيطة تعكس جوهر العيد.


الأوليبولي… نكهة الشتاء الهولندية
ولا تكتمل أجواء الكريسماس من دون حلويات “الأوليبولي” (Oliebollen)، وهي كرات عجين مقلية تُرشّ بالسكر الناعم، وتُعدّ من أكثر الحلويات ارتباطًا بموسم الأعياد. تنتشر عربات بيعها في الشوارع والساحات، قرب الأسواق ومحطات القطارات، وتتحوّل إلى مقصد يومي لمختلف الأعمار.
ورغم بساطة مكوناتها، تحمل الأوليبولي بعدًا عاطفيًا خاصًا، إذ ترتبط بالدفء العائلي وبذكريات الشتاء، وغالبًا ما تُقدَّم ساخنة في الليالي الباردة، إلى جانب القهوة أو الشوكولاتة الساخنة، لتصبح جزءًا أصيلًا من طقوس الكريسماس الهولندية.



العائلة أولًا… والاحتفال بهدوء
يتميّز الكريسماس الهولندي بطابعه العائلي الهادئ. ليلة الميلاد ويومه يُقضَيان غالبًا داخل البيوت، حيث تجتمع العائلات حول مائدة شتوية تقليدية، وتُتبادل الهدايا في أجواء بسيطة وحميمة. لا تميل الاحتفالات هنا إلى المبالغة، بل إلى التركيز على القرب الإنساني والمعنى الروحي للعيد.


سانتا كلوز بطابع محلي
رغم حضور شخصية سانتا كلوز، تحتفظ الثقافة الهولندية بخصوصيتها عبر شخصية “سينتركلاس” ذات الجذور الأقدم، والتي يُحتفل بها في وقت يسبق الكريسماس. هذا التداخل يمنح موسم الأعياد طابعًا فريدًا، حيث تتجاور التقاليد وتتكامل دون تناقض.



الكريسماس… مناسبة جامعة
في بلد متعدد الثقافات مثل هولندا، لا يقتصر الاحتفال بالكريسماس على المسيحيين فقط، بل يشارك فيه كثيرون بوصفه عيدًا اجتماعيًا وإنسانيًا. المدارس، وأماكن العمل، والمجتمعات المحلية تنظّم فعاليات بسيطة تعزّز قيم المشاركة، والتسامح، والاحتفاء بالآخر.
الكريسماس في هولندا ليس مهرجانًا صاخبًا، بل زمن للسكينة والضوء الداخلي. هو احتفال بالجمال البسيط، وبالإنسان، وبالقدرة على خلق الدفء في أبرد أيام الشتاء. في تلك الليالي المضيئة، تبدو هولندا وكأنها تهمس لزائرها: هنا، للعيد معنى يتجاوز الزينة… ليصل إلى القلب.

More Stories
تصعيد أمريكي – إيراني يشل حركة الطيران ويعطل آلاف الرحلات حول العالم
العلاقات الأقرب مع الخليج تنعش السياحة الناطقة بالعربية في روسيا
إسبانيا تطبّق تأشيرة «البحث عن عمل» لمدة عام لغير الأوروبيين