
الكاتبة والمترجمة: إشراقة مصطفى حامد
مرت سنوات وجرت أحداث وحروب ووباء منذ آخر لقاء بينكما، وما زالت جملتك تلك يعود صداها:
“ليس لدي في عينيك وطن.”
يومها بكيتِ وأنتِ ترين غيوماً تسبح في خضرة عينيه المرجانية.
بعد كل هذه السنين التقيتما صدفة… كنتِ على المنصة، وكان هو في الصف الأمامي. تبادلتما ابتسامة مقتضبة، ولم تفُت عليكِ نظرةُ الأسى في عينيه التي لا وطن لكِ فيها، ولم تفُت عليه نظرةُ الحزن في عينيكِ الملتَهبة بحريق الوطن.
رافقكِ في الطريق، وما زال يحلم أن تفتحي الباب ولو سنتيمترًا واحدًا… قالت عيناه الكثير، وأنتِ تعلمين أن مفاتيح أبوابكِ في جوف البحر، ولا تدرين في أي بطن حوتٍ سكنت؟
الأبواب؟
غريبٌ أمرها… مغلقةٌ أو مواربة،
وأنتِ لا تعرفين البين بين،
لا تعرفين اللون الرمادي… فالباب المُغلق راحةٌ من عذابات الانتظار، والمواربُ لوعةُ ذات الانتظار.
سألتِه عمّا يفكّر بشأن الأبواب.
كانت أخرى… هي “أنا” في مرآة الغامض البعيد.
ذاك الغموض الساحر في عينيه، الذي يرافقها… ويرافقني.
كانت تمطر، وفيينا — في جلال جمالها — لا تفعل سوى عجن قلبي بطين المطر، وتوقظ روائح القش والجمرات وشيطان الحنين. عشرة سنين وما زلتَ تشتاق أن تسمع رنّة مفتاح بابها؟ سألته. وبصدق قال إنه عبر ثلاثة أبواب في هذه العشرة سنين، ولم يكن هناك عصيٌّ سوى بوابتها… بوابتها المغلقة بإحكامٍ وإصرار بعد أن أعادت ترتيب حياتها التي تبعثرت في لياليها الغريبة.
هل نلتقي؟
دعها للصدفة؛ كصدفة اليوم؟
قالتها، وكلانا — هي وأنا — لا نؤمن بالصدفة… فكلّه مدبّر.

المدبّر لم يقف حاجزًا: تكبره بخمسة عشر جرحًا وخبرات.
وضحكته الآسرة:
بعد الخمسين من العمر نتوقف عن حساب الأيام، وما زلتُ أريدكِ بجنون سنواتكِ وطفولة وجهكِ… ولم يتوقف المطر!
أمسكَ يدكِ طويلًا وهو يودّعكِ.
كانت أصابعكِ ترتعش من البرد،
ولم تستطع أصابعه أن تشجيكِ بسيرة الدفء والدفوف والنداءات التي يعود صداها مع رنّة المفاتيح.
والمفتاح العتيق الصدئ هناك…
فهل يحتاج البابُ الموارب إلى مفتاح؟
كلاكما… كلانا يعرف أن للريح أسرارًا،
وكلانا — هي وأنا — لن ننتظر الريح لتشرع الباب أو تغلقه إلى الأبد…
فليس هناك ريحٌ أعظم من إرادة الخيارات،
تلك التي تنفرج لحظة المخاض… لحظة الولادات… والأمل.
نبذة عن الكاتبة – إشراقة مصطفى حامد
إشراقة مصطفى حامد كاتبة وشاعرة ومترجمة سودانية مقيمة في فيينا، وتُعد من أبرز الأصوات النسائية في أدب المهجر. درست الإعلام في السودان قبل أن تواصل مسيرتها الأكاديمية في النمسا حيث حصلت على الماجستير والدكتوراه من جامعة فيينا في الإعلام والعلوم السياسية.
تهتم إشراقة بقضايا الهوية والهجرة وتمكين النساء، وتشارك بفاعلية في المشهد الثقافي النمساوي من خلال كتاباتها وأنشطتها في دعم حقوق المرأة والمهاجرين. صدرت لها كتب ودواوين بالعربية والألمانية، وشاركت في أنطولوجيات متعددة، وهي عضو في نادي القلم النمساوي.
كرّمَتها مدينة فيينا بالعلامة الذهبية للجدارة عام 2020 تقديراً لإسهامها الثقافي والإنساني.
بعض إصدارات الكاتبة:




More Stories
الدورة الخامسة من جائزة أنطون سعادة الأدبية لعام 2026
انطلاق معرض العراق الدولي للكتاب 2025 بمشاركة واسعة من دور نشر عربية وعالمية
الروائية سالي روني: قرار بريطانيا حظر “فلسطين أكشن” قد يؤثر على مبيعات كتبي