مارس 2, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

حكمة الإفطار النبوي: بين الهدي الروحي والبعد الصحي

تمرٌ وحليب… بساطةٌ تفيضُ بركة، وهديٌ نبويّ يختصر معنى رمضان.

مع غروب شمس رمضان، تتجدد لحظة الإفطار بوصفها لحظة عبادة قبل أن تكون عادة غذائية. وقد نقلت السنة النبوية صورة واضحة عن هدي النبي محمد ﷺ في الإفطار، صورة تجمع بين البساطة، والتوازن، والوعي بحاجات الجسد والروح.
الهدي النبوي في الإفطار
ثبت عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ كان:


«يُفطر على رُطَبات قبل أن يُصلّي، فإن لم تكن رُطَبات فتمرات، فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء»
(رواه أبو داود والترمذي).


يتضح من هذا الحديث أن الأصل في إفطاره ﷺ كان التمر، فإن لم يتيسر فالماء. وهذه البساطة ليست عفوية، بل تحمل دلالة روحية وصحية عميقة.
أما الحليب (اللبن)، فقد كان من الأطعمة المحببة إليه ﷺ، وكان يشربه ويدعو بالبركة فيه، لكنه لم يُنقل نصٌّ صريح يفيد أنه كان يجمع بين الحليب والتمر بوصف ذلك عادة رمضانية ثابتة عند الإفطار.
التمر: اختيار تعبدي وصحي
أولًا: البعد التعبدي


تعجيل الفطر امتثال لأمر الشريعة.
التمر متاح وسهل التناول.
اتباع السنة في الإفطار عبادة في ذاتها.
ثانيًا: البعد الصحي
من منظور علم التغذية الحديث:
التمر غني بالسكريات الطبيعية (الغلوكوز والفركتوز)، ما يمنح طاقة سريعة بعد ساعات الصيام.
يحتوي على معادن مهمة كالبوتاسيوم والمغنيسيوم.
سهل الهضم ولا يرهق المعدة الفارغة.
إن بدء الإفطار بكمية قليلة من السكريات البسيطة يُعد اليوم من التوصيات الطبية لتفادي اضطراب المعدة بعد الصيام الطويل، وهو ما يعكس توازنًا لافتًا في الهدي النبوي.
الحليب: غذاء متكامل

الحليب كان غذاءً أساسيًا في البيئة العربية، ويتميّز بـ:
احتوائه على بروتين متكامل.
غناه بالكالسيوم والدهون الطبيعية.
قدرته على تهدئة المعدة ومنح إحساس معتدل بالشبع.
وعند الجمع بين التمر والحليب، يتحقق توازن غذائي واضح:
سكريات سريعة الامتصاص من التمر، وبروتين ودهون خفيفة من الحليب، ما يساعد على استقرار مستوى السكر في الدم تدريجيًا.
بين الروح والجسد
إن التأمل في طريقة الإفطار النبوية يكشف عن فلسفة قائمة على الاعتدال:
لا إسراف، ولا تعقيد، ولا إرهاق للمعدة بعد جوع طويل. بل بدء هادئ، يهيئ الجسد لاستقبال الطعام، ويمنح الروح فسحة للذكر والصلاة قبل الانشغال بالوجبة الرئيسة.
وربما في هذا الهدي دعوة معاصرة لإعادة النظر في موائدنا الرمضانية، التي كثيرًا ما تثقل الجسد وتُرهق الروح، بينما السنة تشير إلى بساطة تغني، وقلة تكفي.


رمضان ليس موسم الامتلاء، بل موسم الصفاء.
ومن تمرةٍ تبدأ الحكاية.