مارس 2, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

دعوة لمراجعة السياسة الهولندية تجاه سوريا بعد عام على سقوط نظام بشار الأسد

دمشق في مرحلة ما بعد التحوّل السياسي: مدينة تختزن تاريخًا مثقلًا، وتنتظر استقرارًا لم تُحسم معالمه بعد.

بعد مرور عام على سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، دعا ثلاثة كتّاب هولنديين إلى مراجعة شاملة للسياسة الهولندية تجاه سوريا، واعتماد نهج أكثر فاعلية في المرحلة المقبلة.
وجاءت الدعوة في مقال رأي نشره موقع Clingendael Spectator، بقلم يانيك دو بونت، وبيترا ستينن، وفاروق حبيب، تحت عنوان: «حان الوقت لسياسة هولندية أكثر فاعلية تجاه سوريا»، وذلك بالتزامن مع اقتراب تشكيل حكومة جديدة في لاهاي ستحدد ملامح السياسة الخارجية للبلاد.
واقع سوري معقّد بعد سقوط النظام
يشير المقال إلى أن سوريا تشهد مرحلة انتقالية تتسم بتقدم محدود يقابله استمرار حالة من الهشاشة الأمنية والسياسية.
فقد تم تشكيل حكومة انتقالية وتنظيم انتخابات برلمانية غير مباشرة، غير أن التوترات الطائفية وأعمال العنف ما تزال تؤثر في مسار الاستقرار.
ويرى الكُتّاب أن البلاد تقف عند نقطة تحوّل تاريخية بعد عقود من الحكم الاستبدادي وحرب مدمّرة، مع استعداد معلن من قبل سوريين في الداخل والشتات للمشاركة في إعادة البناء، شريطة وجود دعم دولي منسّق.
انتقاد للنهج الهولندي الحالي
ينتقد المقال ما يصفه بـ«جمود» السياسة الهولندية، معتبرًا أنها ما تزال تعتمد مقاربة قائمة على:
الإدانات السياسية
المساعدات الإنسانية
التركيز على ملف الهجرة
ويرى الكتّاب أن هذا النهج لا يواكب التحولات الإقليمية والدولية، ويجعل هولندا متأخرة مقارنة ببعض الدول الأوروبية التي بدأت باتخاذ خطوات أكثر انخراطًا في الملف السوري.
خلفية الدور الهولندي
يستعرض المقال تاريخ الموقف الهولندي، بدءًا من إغلاق السفارة في دمشق عام 2012، ودعم المعارضة السورية، والمشاركة في التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، إضافة إلى دعم مسارات العدالة الدولية.
كما أشار إلى برنامج الدعم غير القتالي لفصائل معارضة بين عامي 2015 و2018، والذي أُوقف لاحقًا بعد جدل سياسي داخلي، وهو ما اعتبره الكتّاب عاملًا أثّر في صورة الدور الهولندي.
أوروبا تتحرك وهولندا تراقب
بحسب المقال، اتخذت دول أوروبية خطوات أكثر نشاطًا عبر استخدام أدوات إعادة الإعمار الأوروبية، وتسهيل أنماط «الهجرة الدائرية»، وتعزيز التنسيق مع دول إقليمية.
في المقابل، يشير المقال إلى أن التحركات الهولندية ما تزال محدودة، رغم إجراء محادثات رسمية في دمشق وزيارة مسؤولة حكومية لبحث ملف عودة اللاجئين.
تحديات أمنية واقتصادية مستمرة
يتناول المقال استمرار أعمال العنف والصدامات المسلحة، إضافة إلى تحديات اقتصادية كبيرة تشمل دمارًا واسعًا في البنية التحتية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبات عودة اللاجئين بسبب غياب الخدمات وإشكاليات الملكية.
قراءة تحليلية: ما بين الطموح والواقعية السياسية
رغم الطابع الطموح للدعوة إلى سياسة «أكثر فاعلية»، فإن ما طُرح يندرج حتى الآن في إطار النقاش الفكري، لا القرار التنفيذي.
أولًا، يعكس المقال إدراكًا متزايدًا داخل دوائر التفكير الاستراتيجي في لاهاي بأن استمرار الاكتفاء بالمساعدات الإنسانية لا يواكب التحولات الإقليمية. فالفراغ السياسي والاقتصادي في سوريا قد يُنتج موجات عدم استقرار جديدة، سواء عبر الهجرة غير النظامية أو عبر تمدد نفوذ قوى إقليمية منافسة. وبالتالي، فإن الطرح لا ينفصل عن المصالح الأوروبية بقدر ما يرتبط بالبعد الإنساني.
ثانيًا، يبقى ملف اللاجئين عنصرًا بالغ الحساسية. فالتأكيد على «العودة الطوعية والكريمة» يعكس محاولة موازنة بين دعم إعادة الإعمار والحفاظ على المعايير القانونية للحماية الدولية. ومن غير المرجح أن تتحول المقالات أو المبادرات الفكرية إلى تغييرات فورية في سياسات اللجوء، إذ تظل هذه خاضعة لتقييمات أمنية رسمية وقرارات حكومية ملزمة.
ثالثًا، لم يتضمن الطرح أي دعوة لتجاوز ملف العدالة الانتقالية، بل شدّد على استمرار دعم المحاسبة. وهذا ينسجم مع التوجه الأوروبي العام الذي يربط أي انخراط اقتصادي أو دبلوماسي بمبادئ الشفافية وعدم الإضرار ومنع إعادة إنتاج الفساد أو الإقصاء.
ما الذي يمكن توقعه؟
أي تحوّل فعلي في السياسة الهولندية سيبقى مرتبطًا بثلاثة عوامل رئيسية:
مستوى الاستقرار الأمني داخل سوريا
درجة التوافق الأوروبي المشترك
موازين القوى داخل الحكومة الهولندية المقبلة


في المحصلة، يعكس المقال عودة سوريا إلى طاولة التفكير الاستراتيجي في لاهاي، ليس فقط كملف إنساني، بل كقضية إعادة تموضع سياسي واقتصادي في منطقة تشهد تحولات متسارعة. أما ترجمة هذه الرؤية إلى سياسة عملية، فستظل رهناً بالقرارات الحكومية المقبلة والسياق الأوروبي الأوسع.