نوفمبر 30, 2025

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

فنجان قهوة وصوت فيروز.. طقس صباحي يتكرر في بيوت العرب.

فنجان قهوة وصوت فيروز.. طقس صباحي يتكرر في بيوت العرب.

ما إن تستيقظ الشمس بخجل من خلف النوافذ، حتى يعلو صوت فيروز، رقيقاً ونقياً، يشبه رائحة الياسمين في الأزقة القديمة. وفي اليد الأخرى فنجان قهوة ساخن يفوح منه عبق الذاكرة تلك اللحظة القصيرة ليست مجرد بداية لنهار جديد، بل طقس متوارث يختصر علاقة العرب بالصباح، بالموسيقى، وبالحياة.

طقس له جذور في الوجدان السوري

في سوريا، لا يكتمل الصباح من دون فيروز. المقاهي والبيوت تفتتح يومها بأنغامها، وكأنها تحية الروح للنهار. القهوة هنا ليست مجرد مشروب، بل نافذة يطل منها الحنين على القلب، ورفيقة اللحظات الأولى قبل انشغال اليوم بضجيجه.

السبعينيات.. المذياع سيد الصباح وبرنامج «مرحباً يا صباح»

في سبعينيات القرن الماضي، كان المذياع رفيق كل بيت سوري تقريباً. كانت معظم الأسر تستمع صباحاً إلى البرنامج الإذاعي الشهير «مرحباً يا صباح»، الذي كان يفتتح يومه ببث أغنيات فيروز الصباحية. بهذه الطريقة ترسخ صوت فيروز كإشارة البدء ليوم جديد، وأصبحت أغنياتها جزءاً من ذاكرة أجيال كاملة تربّت على هذا الطقس اليومي.

من بيروت إلى كل المدن العربية

انطلقت علاقة فيروز بالصباح من الإذاعات اللبنانية، لكنها لم تبق محصورة في بيروت ولبنان. انتقل هذا الطقس سريعاً إلى المدن العربية المختلفة:

  • في الأردن، تفتتح الكثير من الجلسات الصباحية على صوت فيروز.
  • في فلسطين، تبقى أغانيها مساحة حرة لروحٍ تبحث عن فسحة أمل.
  • في مصر، صارت فيروز ضيفة محببة على المقاهي وبعض الإذاعات مع أول ساعات النهار.
  • في بلدان الخليج والمغتربات في أوروبا والأمريكيتين، ترافق أغنياتها حنين العرب إلى أوطانهم.

وهكذا تحوّل طقس الاستماع إلى فيروز مع فنجان القهوة من عادة شامية إلى طقس عربي عام، تتشاركه شعوب متعددة رغم اختلاف اللهجات والحدود.

تأثير نفسي وجمالي

الموسيقى الهادئة عند بدء اليوم تمنح العقل قدراً من الطمأنينة والتركيز، وتساعد على تنظيم المزاج قبل الانخراط في تفاصيل الحياة اليومية. أما القهوة، فتكمل اللوحة من خلال دفئها ونكهتها القوية، إذ يعمل الكافيين على تنشيط الحواس وإيقاظ الانتباه.

بهذه المعادلة يصبح الجمع بين صوت فيروز وفنجان القهوة وصفة بصرية وسمعية لتهيئة النفس ليوم أكثر توازناً؛ فالصوت يهدئ الروح، والقهوة توقظ الجسد.

هوية مشتركة بتوقيع سوري ـ لبناني

رغم أن هذا الطقس صار واسع الانتشار عربياً، فإنه لا يزال يحمل توقيعاً سورياً ولبنانياً واضحاً. ذاكرة دمشق وبيروت تصر على أن تبقى فيروزية في كل صباح، وكأن صوت فيروز هو الخيط الرفيع الذي يربط الناس ببيوتهم الأولى وبشوارع طفولتهم وبروائح الأمكنة التي غادروها.

صوتها يشبه صلاة صغيرة تنظم الفوضى الداخلية، وتعيد للحنين إيقاعه كلما تعبت الروح من ثقل الأخبار وأعباء اليوم.

إذا كانت الأمم تبدأ أيامها بأجراس الكنائس أو بأصوات المصانع والازدحام، فإن كثيراً من العرب – ولا سيما السوريين – اختاروا أن يبدأوا صباحهم بصوت امرأة تشبه العطر والندى والسكينة: فيروز.

ومع كل فنجان قهوة تتصاعد أبخرته على طاولة صغيرة في مطبخ أو شرفة أو مكتب، يستيقظ الشرق من جديد على موسيقى لا تشيخ، ويهمس في سرّه:
صباح الخير يا فيروز… صباح الخير يا عرب.