مارس 4, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

كيف تضمن شركات الطيران أن طيّاريها في كامل اليقظة؟

إجراءات الفحص والانضباط المهني جزء أساسي من منظومة السلامة التي تجعل الطيران التجاري الوسيلة الأكثر أمانًا للسفر.

دبي – وكالات
يُعدّ التحليق بطائرة تجارية أحد أكثر المهام التي تتطلّب تركيزًا وانضباطًا بشريًا وتقنيًا عاليًا، إذ إنّ أي خلل في الانتباه أو القدرة على اتخاذ القرار قد تكون له عواقب جسيمة. ولهذا السبب، تفرض شركات الطيران والهيئات التنظيمية حول العالم إجراءات صارمة للتأكد من أنّ الطيارين في كامل وعيهم، وبعيدًا تمامًا عن تأثير الكحول أو أي مواد مؤثرة على العقل.


ورغم أنّ حوادث تحليق الطيارين تحت تأثير الكحول نادرة للغاية، فإنّ بعض الوقائع الفردية خلال السنوات الأخيرة أعادت هذا الملف إلى الواجهة، وأثارت تساؤلات حول طبيعة القوانين والضوابط المعمول بها عالميًا.
طبقات حماية متعددة
عمليًا، لا يوجد قانون عالمي موحّد، لكن معظم شركات الطيران تعتمد منظومة حماية متعددة المستويات تشمل:
تحديد حد أقصى لنسبة الكحول في الدم
اختبارات عشوائية قبل الرحلات أو أثناء التفتيش
فترات إلزامية فاصلة بين آخر مشروب كحولي وبدء العمل
عقوبات صارمة تصل إلى تعليق أو سحب الرخصة والملاحقة القانونية
وتحظر إرشادات منظمة الطيران المدني الدولي بشكل واضح على الطيارين والعاملين المرخّصين “العمل تحت تأثير المواد المؤثرة على القدرات العقلية”، فيما تُترك التفاصيل الدقيقة للسلطات الوطنية وشركات الطيران.
اختلاف القواعد بين الدول
تتباين التشريعات بشكل لافت:
بعض الدول تحدد الحد الأقصى لنسبة الكحول في الدم بـ 0.04%
دول أخرى تشدد إلى 0.02%
وهناك من يفرض صفر كحول تمامًا (0.00%)
كما تختلف فترة الامتناع المطلوبة بين آخر مشروب وبداية العمل، لتتراوح بين 8 و10 و12 وحتّى 24 ساعة.
في المملكة المتحدة، يخضع الطيارون لاختبارات عشوائية وحدّ أقصى يبلغ 0.02%.
أما في الولايات المتحدة، فتسمح إدارة الطيران الفيدرالية بنسبة 0.04%، مع اشتراط مرور 8 ساعات على الأقل، مع توصية غير إلزامية بالانتظار 24 ساعة لتجنّب أي آثار متبقية.
وفي اليابان، لا يحدد القانون رقمًا دقيقًا، لكن شركات الطيران – ومنها الخطوط الجوية اليابانية – طوّرت سياسات داخلية أكثر تشددًا بعد حوادث سابقة.
الهند: صفر تسامح
تُعدّ الهند من أكثر الدول تشددًا في هذا الملف، إذ يفرض المدير العام للطيران المدني سياسة عدم تسامح مطلق:
الامتناع عن الكحول 12 ساعة على الأقل
نسبة كحول في الدم 0.00%
اختبار تنفّس إلزامي قبل كل رحلة، وأحيانًا أمام الكاميرات داخل المطار
ما وراء القوانين: الضغوط النفسية
إلى جانب القواعد الصارمة، تعتمد شركات طيران كبرى مثل فيرجن أتلانتيك برامج دعم نفسي وصحي للطيارين، تشمل:
استشارات طبية سرية
دعم للصحة النفسية
مسارات لإعادة التأهيل واستعادة الرخص في حال التعافي
وتشير دراسات حديثة إلى أنّ الطيارين، رغم الصورة النمطية عن مهنتهم، قد يواجهون مستويات عالية من الضغط والقلق، ما يجعل أنظمة الدعم الوقائي عنصرًا أساسيًا في منظومة السلامة الجوية.
أرقام تطمئن
وفق أحدث بيانات رسمية، أُجري أكثر من 64 ألف اختبار كحول عشوائي على العاملين في الطيران خلال عام واحد، ولم تتجاوز النتائج المخالفة 0.001% فقط، وهو رقم يؤكد أنّ هذه الحوادث تبقى استثناءً نادرًا للغاية.

لا تُعدّ سلامة الطيران نتيجة حظ أو صدفة، بل ثمرة تدريب صارم، وتشريعات دقيقة، وثقافة مهنية لا تقبل المجازفة. وكما يقول أحد الطيارين المخضرمين:
“الطيران هو وسيلة السفر الأكثر أمانًا، لأنّ معاييره لا تُبنى على التساهل، بل على الوقاية والانضباط.”