مارس 2, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

«لا قوس قزح في الجنة» عنف في التاريخ، وجمال في الحكاية

ملحمة روائية تستعيد فصولًا من العنف المنسي في تاريخ تجارة الرقيق، عبر مصائر ثلاث شخصيات تبحث عن الحرية والنجاة، بلغة آسرة تمزج قسوة الواقع بجمال الحكاية.

الكاتب- طاهر النور

في روايته «لا قوس قزح في الجنة» الصادرة عام 2025 عن دار الريّس للنشر والترجمة، يؤرّخ الروائي التشادي السويسري نيتونون نويل نجيكيري، بشكل ملحمي، قصة الفتى «زيتون»، الذي تختطفه أيادي الشر في القرن التاسع عشر من مدينة «ماسنيا»، عاصمة الباقرميين، وتستعبده وهو لا يزال دون الثامنة عشرة، ليجد نفسه يواجه وجهًا آخر من أوجه الحياة لم يألفه.
تتقاطع قصة «زيتون» مع بطل آخر، وضحية أخرى من ضحايا تجارة الرقيق، وهو «توماستا جيغاري»، أو توماستا منصور، الذي ينتمي إلى أسرة جنوبية من الوثنيين، وليس مثل زيتون الذي ينتمي إلى أسرة مسلمة. اختُطف عبدًا من أسرته، وانتقل من سيد إلى سيد، حتى وصلت رحلته إلى الجزيرة العربية، حيث يُخصى، ويتحوّل إلى آلة بشرية يتم تقويض حياتها وأحلامها من أجل خدمة الأسياد.
يصبح توماستا منصور خادمًا لرجل من العرب الميسورين، يملأ منزله بالنساء والجواري والعبيد، وهناك يتعرّف إلى «ياسمينا اليمنية»، وهي طفلة انتُزعت من أهلها عنوة لتقوم بأدوار النساء، وتعاني الويلات.
ينقلب دولاب الحياة، ويجد توماستا منصور نفسه هاربًا مع ياسمينا، التي شقّت معه دروب الهروب من العبودية وأغلالها وتبعاتها. ينجح الرجل، الذي استفاد من العيش مع الأسياد ليتعلّم ويصبح عارفًا بالعربية وعلوم الدين، في مواجهة تحديات تلك المغامرة، ليصبح ما تعلّمه درعًا حاميًا لهما أثناء رحلة عودتهما إلى إفريقيا.
يصلان إلى أرض الباقرمي، ولكنهما يعلمان أن رابح ود فضل الله، تاجر الرقيق السوداني، قد سيطر على جزء كبير من تلك الأراضي، ولن يجدا السلام والحرية اللذين ينشدانهما إن هما عاشا ضمن أراضيه.
وهكذا، وبرفقتهما زيتون، الذي أنقذاه من الموت، يتوجّه الثلاثة إلى أراضي الماء العظيم، أو بحيرة تشاد كما صارت تُسمّى. وهناك يختار الثلاثة واحدة من تلك الجزر الكثيرة المتناثرة في وسط البحيرة العجيبة، ويؤسّسون قريتهم المتخيّلة التي أسموها «كيبا»، بعيدًا عن أعين المتربّصين، ووحشية الغزاة، لتجري أحداث واحدة من أروع الملاحم الروائية والتاريخية، قبل أن تصلهم شرور الدول الحديثة، وعنف الجماعات الإرهابية المعاصرة، كبوكو حرام في إفريقيا.
«لا قوس قزح في الجنة» رواية ساحرة وآسرة، لغةً وأسلوبًا وحكاية. نجح مترجمها، الروائي الدكتور عاطف الحاج سعيد، وهو مقيم في تشاد منذ سنوات، في ترجمتها بنزاهة واقتدار. أعتقد أنه من حسن حظّنا أن هذا النص بالذات لم يقع في يد غيره من المترجمين العرب، حيث لن ينجح في مختبر النزاهة إلا القليل منهم.
شكرًا للدكتور عاطف، وشكرًا للناشرة إسراء الريّس التي تبنّت مشروع ترجمة روايات هذا الروائي التشادي القدير.