مارس 2, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

رمضان في محافظة درعا: المائدة الجنوبية.. ملاذ الكرم وبرّ “العنايا”

رمضان في حوران- جوليا دومنا برس

رمضان في درعا… من قمحها تأكل، ومن خير أرضها تُعدّ موائدها، فيجتمع البرّ والبركة حول سفرة واحدة.

​في درعا، لا يُختزل رمضان في الطقوس التعبدية فحسب، بل يتجلى بأبهى صوره على المائدة وفي المجالس العائلية. الجنوب السوري يعرف كيف يحوّل الإفطار إلى مناسبة جامعة، حيث يتقدّم الكرم على ضيق الحال، وتغدو العزيمة إعلان محبة قبل أن تكون دعوة طعام.
​المطبخ الحوراني.. أصالة القمح والجميد
​المطبخ الحوراني حاضر بقوة، وهو مطبخ يعتمد على خيرات الأرض من قمح ولبن وزيت. ومع مرور الزمن، شهد هذا المطبخ تنوعاً كبيراً في مأكولاته ودخول أصناف حديثة، إلا أنه حافظ بقوة على تراثه الأصيل وأكلاته الشعبية التي لا يمكن الاستغناء عنها:
​المليحي (سيد المائدة): هو طبق العزائم بامتياز، يتكون من البرغل المطهو بالسمن العربي، ويُسقى بمرق الجميد (المريس) الأصيل، ويُغطى باللحم البلدي المطهو جيداً، ويزين بالكبة المقلية.

المليحي الحوراني يطبخ من الرغل واللبن ويضاف إليه السمن البدي


​الفطائر الحورانية: تعد من أساسيات السفرة، ولا تُحشى بالزعتر الأخضر كما في مناطق أخرى، بل تتميز بحشوات جنوبية خاصة وهي: (الكشك، البندورة واللحمة، والسبانخ).

فطائر الكشك الحوراني


​خبز القراص (المرشم):

قراص(مرشم) من الطحين وزيت الزيتون وبعض البهارات الخاصة

يخبز عادة في الأعياد ولكن لاغنى عنه في رمضان وهو خبز تراثي يفوح برائحة الأصالة، يُصنع من الدقيق والحليب وزيت الزيتون ، ويضاف إليه الشومر واليانسون وحبة البركة والسمسم والكركم، مما يعطيه طعماً فريداً ولوناً ذهبياً.
​أطباق اللبن: مثل الشاكرية والفريكة البلدية وشيش برك(أذان الشايب) بلبن الغنم البلدي، والبرقاقة(الرقاقة)، والمجدّرة الحورانية بزيت الزيتون الجديد.

الفريكة الحورانية
الرقاقة الحورانية من طحين القمح ومحشو بالدجاج والبصل


​البدايات: التمر والماء أولاً، ثم “شوربة العدس” التي تعتبر سيدة البدايات، بجانب الفتوش والتبولة أو صحن خضار مشكل من خيرات “حواكير” درعا.
​خبز درعا.. رائحة التنور والدفء
​الخبز في درعا عنصر أساسي في الطقس الرمضاني:
​خبز الصاج والتنور:
المصنوع على الحطب يمنح السفرة دفئاً خاصاً، حيث تشعل بعض البيوت التنور قبل المغرب لتنتشر رائحة العجين المشوي في الأزقة.
​​صلة الرحم وبرّ “العنايا”
​في درعا، قلب رمضان الحقيقي هو تواصل الأرحام، ويتجلى ذلك في أسمى صوره من خلال برّ “العنايا” (نساء العائلة من أخوات وعمات وخالات):
دورة العزائم: لا يمر رمضان دون أن تتناوب العائلات على الدعوات، وهي وسيلة لإعادة وصل ما انقطع.
​ولائم العنايا: حيث يخصص يوم لدعوة نساء العائلة لزيارة بيت أهلهن وتناول الإفطار في أجواء من المحبة.
​إرسال النصيب(الطعمة): في حال تعذر العزيمة، يحرص الرجال على صلة أرحامهم بإرسال اللحم أو الدجاج إلى بيوت “العنايا” كنوع من التقدير والبرّ والمشاركة في بركة الشهر.
​الحلويات والمشروبات الرمضانية

اللزاقيات من طحين القمح والسمن البلدي
حلويات حورانية بسيطة


​تتنوع السهرات الرمضانية (التعليلات) بعد صلاة التراويح، وتُقدم فيها:
​الحلويات: بجانب القطايف واللزاقيات، يحضر بقوة “البسكويت والراحة” كتحلية بسيطة ومحببة تجمع الصغار والكبار.
​المشروبات: لا تكتمل المائدة دون المشروبات الرمضانية التقليدية مثل التمر هندي، والعرقسوس، وقمر الدين.
​الجنوب.. كرمٌ يتقدّم على الظروف
رغم التحديات الاقتصادية، يبقى الكرم سمة حورانية راسخة. الطعمة “السكبة” بين الجيران ما تزال حاضرة، والقهوة العربية المرة تُصب في المضافات بعد التراويح، حيث تُكتب الحكايات على موائد عامرة بالبساطة والنية الطيبة.
​رمضان في درعا هو مزيج من رائحة الشومر واليانسون ، ودفء خبز التنور، وصوت صبّ القهوة، وحرارة اللقاء بين الأهل والأرحام.