مارس 2, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

رأس السنة الأمازيغية (يناير)… احتفال بالزمن والهوية والأرض

فتاة أمازيغية ترتدي زيّها التقليدي، في ملامح تختصر قرونًا من الهوية والاعتزاز بالأرض، حيث يلتقي الجمال بالإرث، وتتكلم التفاصيل بلغة الذاكرة.

يُعدّ رأس السنة الأمازيغية، المعروف باسم “يناير” أو “إيض يناير”، واحدًا من أقدم الأعياد الزراعية والثقافية في منطقة شمال إفريقيا، ويحتفل به الأمازيغ في المغرب والجزائر وتونس وليبيا وأجزاء من مصر (واحة سيوة)، إضافة إلى الجاليات الأمازيغية في المهجر. ويصادف هذا العيد عادةً 12 أو 13 يناير من كل عام ميلادي، وفقًا لاختلاف الحسابات المحلية.
تقويم ضارب في القدم
يرتكز التقويم الأمازيغي على الدورة الزراعية، لا على الطقوس الدينية، ويُعتقد أن بدايته تعود إلى نحو 950 قبل الميلاد، وهو التاريخ الرمزي لانتصار الملك الأمازيغي شيشنق الأول وتولّيه حكم مصر القديمة. ومن هنا، فإن السنة الأمازيغية الحالية تتجاوز الألفين والتسعمائة عام، ما يمنح هذا العيد بعدًا تاريخيًا عميقًا يتجاوز كونه مناسبة احتفالية.
يناير… عيد الأرض والخصب
يمثّل “يناير” لحظة الامتنان للأرض وتفاؤلًا بعام فلاحي جديد. وتنتشر خلاله طقوس شعبية متوارثة، أبرزها:
إعداد أطباق تقليدية تعتمد على الحبوب والخضار، مثل الكسكس أو أطباق القمح والشعير.
تجميع العائلة حول مائدة واحدة، في إشارة إلى التلاحم الاجتماعي.
إدخال حبوب أو نواة تمر في الطعام، حيث يُنظر إلى من يعثر عليها كرمز للحظ الجيد.
ارتداء الأزياء الأمازيغية وترديد الأهازيج الشعبية في بعض المناطق.
دلالات ثقافية وهوية حيّة
لا يُختزل رأس السنة الأمازيغية في طقوس الطعام والاحتفال، بل يُعدّ تعبيرًا عن الهوية والذاكرة الجماعية، وعن علاقة الإنسان بالأرض والزمن. وفي العقود الأخيرة، اكتسب “يناير” بعدًا ثقافيًا وسياسيًا أوسع، حيث أُقرّ عطلة رسمية في عدد من الدول، في اعترافٍ بالتنوّع الثقافي وعمق الجذور الأمازيغية.
يناير في المهجر
تحافظ الجاليات الأمازيغية في أوروبا وأمريكا الشمالية على هذا العيد بوصفه جسرًا مع الوطن، فتُنظم أمسيات ثقافية، عروضًا فنية، ولقاءات تعريفية بالتراث الأمازيغي، ما يساهم في نقل هذا الإرث إلى الأجيال الجديدة.
احتفال بالمستقبل بذاكرة الماضي
في جوهره، يذكّرنا رأس السنة الأمازيغية بأن الزمن ليس أرقامًا فحسب، بل علاقة حيّة بين الإنسان وتاريخه وأرضه. إنه عيد يُجسّد الاستمرارية، ويؤكد أن الثقافات الحيّة لا تموت، بل تتجدد مع كل يناير جديد، حاملةً معها الأمل والخصب والسلام.