ماجدولين الرفاعي
قلتُ لك مرّة إنني لا أُحسن التعبير وجهًا لوجه، لذلك ألوذ بدفتر يومياتي. أختبئ في بياض الورق، أتأرجح بين سطوره، وأرقص في كواليس هوامشه، فأكتب ما أشاء من معجزاتٍ لا تتحقق إلا في خيال قلمٍ يرفض أن يكبر.
ما زلت أكتب كل يوم، لا لشيء إلا لأطمئن أن صباحي بخير. أرفع عنه ستائر النوم، وأدعوه إلى فنجان قهوة وحديثٍ قد لا يروق له، لكنه الحقيقة. هل أتجاهل ما يمرّ به العالم من أزمات؟ ربما لن تكون طبول الحرب التي تُقرع اليوم آخرها، لكنها تبقى مقلقة، ولا سيما لنا نحن الذين خبرنا الحرب وتذوّقنا طعم التشرد.
أكتب لأنني لا أُجيد مهادنة الواقع المتحوّل. الحياة لم تعد كما كانت يوم كنّا نجتمع حول مسلسل السهرة، فنحمله في صباح اليوم التالي إلى أحاديث الجيران وزملاء العمل إذ كنّا نشاهد جميعنا محطة واحدة.
ما زلت أكتب يوميًا لأن الكتابة رسائل شفهية تصل إلى قلوب أصحابها مع فناجين قهوتهم وسجائرهم.
ما زلت أكتب كي أُصحّح بعض المفاهيم، فالحب لا يحتمل المنازعات ووضع الرجل في دائرة الطباشير، فمن يحبك سيجد ألف وسيلة للوصول إلى قلبك دون غيرك من العاشقات.
أكتب كي أرتّب فوضى النسيان في ذاكرتي، فكلما تذكّرت كريستال ضحكتك في آخر لقاء، تضيع تفاصيل اللقاءات القديمة وينفرط عقد الذكريات.
أمن هنا مررنا أم من هناك؟ من هذا الحي أم من ذاك؟ ترى هل التقينا في الصيف أم بالشتاء؟ هل قدمت لي وردة في عيد الحب أم أهديتني في وقتها كتابًا؟ ياه كم أنا ضعيفة بتذكر المنمنمات.
ربما مرّ زمن طويل على آخر لقاء، لا تضحك فالتواريخ عندي محسوبة بالضحكات: ضحكة تحت المطر، ضحكة تحت أزهار اللوز، ضحكة الخريف، ضحكة منتصف الصيف.
أكتب لكي أشتّت شمل الخيبات القديمة التي تراكمت منذ سنوات.
أكتب كي تدور الكرة الأرضية بثوبها الفضفاض كراقصة باليه ترفع قدمها اليمنى وتثبت قدمها اليسرى في رقصات تعبيرية تأخذنا معها فندور، ندور كالدراويش في الموالد.
ما زلت أكتب كي أُلملم فتافيت السكر العالقة في ذاكرة الغياب.

More Stories
تأجيل فعاليات كتارا حتى إشعار آخر
علي ثويني يقرأ العمارة بوصفها لغة:صدور «العبارة والعمارة» في مقاربة فلسفية جديدة
“فرانكنستاين يعود إلى موطن الإلهام… متحف بريطاني يعيد قراءة ماري شيلي بعد قرنين”