مارس 2, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

امرأة من برج الحب..

كم كنّا حمقى ونحن نُعرب الحب، ننصب أوله أو نرفع آخره، وندخله في حسابات المنطق والمعقول، ونستجدي العقل كي يكون الحكم في مباراة محسومة النتائج بين القلب والقلب.

امرأة من برج الحب..

نص نثري

قلتُ لك بما يشبه الرجاء: أعطني بعض الوقت قبل أن تدعوني لتذوّق خبز حبك المنقوع بعسل اللهفة، فقد أقسمتُ ذات خيبة ألّا أقترب من غواية الحب من جديد، إذ وقعتُ في بحره غير مرة، وما خرجتُ إلا بطحالب الأعماق، ورائحة السمك الميت، وأصداف البحر الفارغة.

أرجوك، لا تلم ترددي وحيرتي، أنا السمكة الطالعة من طين التجارب وبحر الانكسارات، فكيف أحبك وقلبي محكم الإغلاق بأقفال التوبة وتحريم الحب؟

كيف أحبك وعقلي جندي أحمق ينفّذ الأوامر فيطلق النار على كل خفقة قلب تشذّ عن قواعدها… كيف أحبك وأنا التي هجوت الحب مرارًا، واتهمتُ العشاق بالجنون؟

قلتَ لي بما يشبه الثقة: لستُ متعجّلًا يا طفلة قلبي، سأظلّ أُهدهد أحلامك حتى تنضج سنابلها، أنا الحاوي الذي يعزف لأفعى الشك حتى تخرج من جحرها، وتصبح بقصيدة واحدة راقصة (فلامنكو) إسبانية..

تفكّ ضحكتي جديلتها وتمشي حافية إلا من خلخالها كلما قلتَ لي بصوتك الرجولي الذي أدمنتُ سماعه: «أحبك يا طفلة قلبي».

دعني أعترف لك بأنني عدتُ طفلة ترقص بقدم واحدة، تقفز كأرنب بريّ على وقع ضحكتك…

كم كنّا حمقى ونحن نُعرب الحب، ننصب أوله أو نرفع آخره، وندخله في حسابات المنطق والمعقول، ونستجدي العقل كي يكون الحكم في مباراة محسومة النتائج بين القلب والقلب.

وكم كنّا حمقى ونحن نستطلع الأبراج الفلكية وقوة التوافق بين برج وآخر، بينما ثبت بالوجه الشرعي أننا من برج الحب الذي لا يُحسب لا بالأشهر الميلادية ولا القمرية.

يولد أصحاب برج الحب خارج حسابات الزمان والمكان، يولدون هكذا في براري التكهّنات تحت شجرة سنديان عجوز تمدّهم بالحكمة مرة، وبالجنون مرات كثيرة، وبالحماقة..

أنا من برج الحب، وُلدتُ ذات لقاء على حافة قلبك فصرتُ طفلتك المدلّلة التي ما زالت تحلم بأرجوحة تمتدّ من رأس الساعة حتى آخر ثانية تركض مسرعة..

أنتَ من برج الحب، فقد سقطتَ ذات مطر من غيمة حبلى بالصخب فصرتَ طفل قلبي، وما زلتَ تقذف كرات الفرح في شباك لهفتي ثم نقهقه معًا ككل مجانين العالم..

الحب يا سيدي لا يقبل النصيحة، ويكره العقل حين يلبس نظارته الطبية كأي حكيم ويبدأ بعدّ مخاوفه من وقوع القلب في حماقة الحب، ثم يخلع نظارته ويستمر في تعداد شروطه الصارمة قبل النزول إلى بحر الحب بلا سترة نجاة..

ما أشدّ حماقتنا حين كنّا نجلس قبالة بعضنا كأننا في اجتماع حزبي لم يكن ينقصنا إلا رفع العلم وترديد الشعار…

قلتَ لي أحبك فارتفعت الجلسة وخرجنا إلى بهو الحرية أنقياء من كل قيودنا، فما الذي ينقصني لأقول أحبك وأكسر ظهر الخوف؟ وما الذي ينقصك لتقول لي أحبك وتطلق رصاصة الرحمة باتجاه قلب تردّدك؟

تعالَ لأحبك الآن كما لم أحب في زمن الجاهلية حين كانت سيوف القبيلة جاهزة لإقامة الحدّ على العشاق، اخرج من مضارب قومك وقل لي بصوت يجوب صداه الوديان بأنك تحبني وليكن بعدها ما يكون..

تعالَ نستمع معًا لتكهّنات الأبراج: برج الجدي، برج الثور، برج الدلو، ثم نضحك من سذاجة العرّافة التي لم تقرأ يومًا برج الحب.

ماجدولين الرفاعي