مارس 2, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

من رمل الصحراء إلى ضوء الحكاية…طاهر النور يروي صعود الروح

العربية بالنسبة لي شيء وجودي، لا أملك أمامه أي خيار. فعندما تولد في قبيلة معيّنة، أو تحمل لوناً مختلفاً، أو شكلاً مختلفاً، وتعتنق ديناً معيّناً، فإنك أمام سيرورة طبيعية للحياة.

من الصحراء إلى الوعي الكوني… رحلة طاهر النور في السرد والهوية

من أعماق الصحراء التشادية إلى المنابر الأدبية في العالم العربي، يشقّ الروائي والصحفي طاهر النور طريقه بثقة لافتة. يكتب بالعربية في بلدٍ فرنكفوني، ويرى في الأدب جسراً إنسانياً بين إفريقيا والعالم.

تشكّل رواياته: «رماد الجذور»، «سيمفونية الجنوب»، «مزرعة الأسلاك الشائكة»، «قودالا»، «تحت سماء واطئة» رحلةً سردية في الهوية والمكان والذاكرة، بينما يعكس كتابه «أفريقي في فلسطين» انشغاله بالقضية الفلسطينية بوصفها قضية إنسانية تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة.

في هذا الحوار الحصري مع مجلة جوليا دومنا برس، يفتح طاهر النور قلبه، متحدثاً عن الصحراء والقرية والهامش، وعن العدالة والكتابة، والترجمة، وأدب إفريقيا المكتوب بالعربية، وعن رؤيته للعالم في زمنٍ تتبدّل فيه القيم والحقائق.

الروائي والصحفي طاهر النور

طاهر النور في سطور

  • روائي وصحفي تشادي يكتب بالعربية في بلدٍ فرنكفوني.
  • من الأصوات العربية البارزة في إفريقيا جنوب الصحراء.
  • أصدر: «رماد الجذور»، «سيمفونية الجنوب»، «مزرعة الأسلاك الشائكة»، «قودالا»، «تحت سماء واطئة».
  • كتب كتاب الرحلات «أفريقي في فلسطين» وعدة يوميات عن بلدان عربية.

● نشأت في مدينة “البطحاء الغربية” وسط بيئة صحراوية شكّلت ملامحك الأولى. كيف أثّرت الصحراء على وعيك الأدبي وتشكيل رؤيتك للعالم؟

أعتقد أن نشأتي في تلك البيئة أثّرت كثيراً على ملامح نصوصي السردية. ربما لهذا بدأت حياة بطل روايتي الأولى «رماد الجذور» في الصحراء وانتهت في المدينة. ولكن بقي هذا الخيط الرفيع قائماً في جميع أعمالي. إذ أن ثمة شيء يشدّني إلى العوالم الصحراوية، وأجد فيه ما لم أستطع إيجاده في المدن وما فيها من حيوات صاخبة، وزخم في الأفراح والأتراح، وكل تلك التفاصيل الصغيرة التي يمكن أن تتحوّل إلى قصة جديرة بالميلاد، جديرة بأن تُروى.

غير أن القصة التي أميل إلى كتابتها لا يمكن أن ترويها جدران المدينة، أو تضيف إليها تلك اللمسة الدافئة القادمة من القرية أو من الكوخ أو من الأحراش أو من الوديان. فلكل قصة مكان يشبهها، والمدينة ببساطة ليست المكان الذي تدور عليه أو فيه قصصي.

الحكاية هي الابنة الشرعية للمدينة… بينما الشعر هو الابن الشرعي للصحراء.

● قلتَ في أحد حواراتك إن الصحراء كانت مصدراً للإلهام، هل يمكنك أن تحكي لحظة أو مشهداً محدداً أثّر فيك وأنت صغير؟

الأماكن التي مشيت فيها، والوديان التي شربت منها، والأشجار التي جلست تحتها طلباً للظل، هروباً من قيظ الشمس، وكل تلك الأماكن التي غادرتها وأنا صبي في الثالثة عشرة، ما تزال تلوح لي، وما تزال ترافقني في رحلة الحياة، وما زلت أراها كما لو أن كل تلك السنوات الطويلة مرّت كبرقٍ خُلَّب، أو مثل ومضة، ولا يفصلني عنها سوى المسافات الوجودية.

أظن أن هذه الصلة الذهنية بين الماضي والحاضر هي ما أستمدّ منه الإلهام، وأن المدينة التي عشت فيها أكثر مما عشت في القرى والبوادي، لم تتمكن أبداً من اقتلاع تلك الجذور العميقة، أو قطع تلك الحبال السرية التي تربطني بها.

ثمة شيء يشدّني إلى العوالم الصحراوية… وما زالت الأماكن التي غادرتها في طفولتي ترافقني حتى اليوم.

● تتكرّر في أعمالك عبارة “الحقيقة تسكن القرية لا المدينة”، ماذا تقصد بها؟ وهل فقدت المدن قدرتها على إنتاج المعنى؟

دائماً ما أقول في حواراتي إن المدينة تمثّل المظهر، وأن القرية تمثّل الجوهر الحقيقي للوجود ولحياة الناس. هذا لا يعني طبعاً أن المدينة لا تنتج الحكاية، لا إطلاقاً. الحكاية هي الابنة الشرعية للمدينة، بينما الشعر هو الابن الشرعي للصحراء.

ولكنّي أقصد أن لكل مكان قصة، وأن كتابة حكاية عن مكان معيّن تختلف تماماً عن كتابتها عن مكان آخر. الفرق هو أن الناس في القرية يحكون، ويفعلون ذلك بشكل تلقائي مثل شروق الشمس أو غروبها، والحكاية جزء من حياتهم ومن طقوسهم اليومية.

أما المدينة، فكل شيء فيها مختلق: الحكاية مختلَقة، والشعر مختلَق. ليس فيها شيء أصيل، ليس فيها شيء يولد بشكل طبيعي مع حلول الظلام، أو عند ضحى اليوم التالي.

● تكتب بالعربية في بلدٍ فرنكفوني كتشاد، هل كان ذلك خياراً جمالياً خالصاً أم موقفاً ثقافياً واعياً؟

ليس هذا ولا ذاك. العربية بالنسبة لي شيء وجودي، لا أملك أمامه أي خيار. فعندما تولد في قبيلة معيّنة، أو تحمل لوناً مختلفاً، أو شكلاً مختلفاً، وتعتنق ديناً معيّناً، فإنك أمام سيرورة طبيعية للحياة، وليس لك أن تقبل أو ترفض أو تَمُنّ أو تستنكر.

وهذا الأمر ينطبق عليّ بكل تفاصيله. العربية لغتي الأم، وترعرعت في وسط أناس يتحدّثونها دون عائق، سواء كانت اللغة بالنسبة إليهم لغة أولى أم لغة ثانية. وهكذا، باتت علاقتي بهذه اللغة علاقة أزلية، وصارت الكتابة بها أمراً لا مفرّ منه، وهي جزء من المسيرة الطبيعية لأي كاتب يحمل لغة لا يستطيع أن ينفر منها أو يتنكّر لها.

العربية بالنسبة لي شيء وجودي… لم أخترها كما لم أختر لوني الأول.

● برأيك، لماذا لا تزال التجارب الإفريقية المكتوبة بالعربية شبه غائبة عن المشهد العربي؟ ومن المسؤول عن هذا الغياب؟

تنتمي تلك التجارب المكتوبة بالعربية إلى دول تنتمي إلى محيط لغوي مختلف. صحيح أنها جغرافياً ليست بعيدة عن العالم العربي، ولكنها تتبع بُعداً ثقافياً غير ذي صلة بالثقافة العربية.

وبالتالي فإن تجاربنا الإفريقية المكتوبة بالعربية تقف أمام نوافذ ثقافية ولغوية ضيّقة. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، فإن العرب لا يملكون مؤسسات عربية ثقافية قادرة على التواصل مع الثقافات العربية المماثلة التي تقع في نطاق جغرافي مختلف، ومن ثم بإمكانها مدّ جسور التواصل، ودعم روافدها، بحيث يصبح لتلك الثقافة العربية التي تعيش في هامش من الواقع العصيب متّكأ تستند إليه، ويساعدها على البقاء، كما تفعل كل الثقافات العالمية اليوم.

غير أن هذا لا وجود له في الواقع، والعرب يعيشون عجزاً لغوياً وثقافياً ليس له مثيل حتى في الزمن القديم. فالتاريخ يخبرنا بوجود التواصل الثقافي العربي في وقتٍ ليس فيه من السهل طيّ المسافات أو إيجاد سبل للتواصل كما هو الأمر في وقتنا الراهن.

● من الذي، أو ما الذي، يقف خلف نبوغك الكتابي المبكر؟

إذا كان ثمة شيء جعلني على ما أنا عليه فهو القراءة. شغفي المبكر بالقراءة واقتناء الكتب هو ما وضعني في طريق الكتابة، ومكّنني من العثور على ذاتي وعلى صوتي الخاص. ليس في الرواية فحسب، وإنما في الفنون الأخرى أيضاً.

● قال أحد الكتّاب: “اقرأ ألف كتاب قبل أن تكتب كلمة”. ما علاقة الكاتب طاهر النور بالقراءة؟

بالنسبة إلى شخص مثلي أصبح كاتباً بفضل القراءة، فإنه من الضروري أن نقرأ، ولكن ليس بالضرورة أن نكتب. لأن القراءة أهم من الكتابة. وعندما نغرق في فعل القراءة، فإنه ليس هناك متعة تضاهي تلك اللحظة.

وطالما مرّت عليّ سنوات، وأنا لا أغادر المنزل إلا لكي أعود إلى القراءة، وإلى وحدتي اللذيذة. القراءة تصون الإنسان من آفات الجماعة. قد يندم الإنسان على ارتباطه بأشخاص معيّنين أو جماعة معيّنة، إلا أنه لا يندم أبداً على استغراقه في القراءة.

وإذا لم نقرأ دائماً، وكل يوم، فكيف نستطيع قراءة أكبر عدد ممكن من آلاف الكتب التي تصدر كل سنة وبشتى اللغات؟ وكم من سنوات، وكم من حياة علينا أن نعيشها كي نقرأها؟

القراءة أهم من الكتابة… وقد نندم على الناس، لكننا لا نندم أبداً على كتاب.

● في حوارٍ لك أشرتَ إلى أن عدد الروايات المكتوبة بالعربية في تشاد لا يتجاوز أصابع اليد. ما الذي تشعر به ككاتب عربي في بلد يُكتب فيه غالباً بالفرنسية؟

الأمر محبط من نواحٍ كثيرة بلا شك، ولكن ماذا عليّ أن أفعل؟ هذا هو الواقع، وعليّ، ما دمت لا أستطيع تغييره، أن أتقبّله، وأن أعمل جاهداً في المساهمة في تغييره، لعل المعادلة تتغيّر، ولعلّنا نشهد ولادة أقلام جديدة تغيّر من المشهد الثقافي كلياً.

● أعمالك مثل «رماد الجذور»، «سيمفونية الجنوب»، «مزرعة الأسلاك الشائكة»، «قودالا» تستعرض ما بعد الحرب، الهامش، القرية، الصحراء. لماذا تميل إلى هذه الأماكن والظلال، لا إلى المدن ومراكز السلطة؟

في العادة، حين يتناول الروائي الحرب يتجه نحو المدينة، لأن تناول الحدث عندئذ سيكون أسهل، بسبب وضوح المكان الذي تمثّله المدينة، وبسبب زخم الأحداث والشواهد التاريخية والاجتماعية وغيرها. وعندما يتوفر كل ذلك يصبح طريق الحكاية أمام الروائي ممهّداً.

على العكس من القرية أو الصحراء أو عالم الهامش، فهناك عليّ أن أختلق المكان. ولو قلت إنني سأكتب عن القرية، فأيّ قرية يا ترى؟ وفي أي اتجاه من البلد؟ ما اسمها؟ وما ملامحها؟ ومن ناسها؟ وما هي ثقافتهم؟ ثم ينبغي عليّ بعد ذلك معرفة ثقافتهم الشعبية، من أغانٍ، وألغاز، وحكايات، ونوادر، وخرافات.

لذلك أردت الكتابة عن الحرب في تلك القرى المنسية: كيف هو حالها قبل الحرب، وما أصبحت عليه بعدها؟ ولأكتشف هل الحرب في القرية تشبه الحرب في المدينة؟ وما هو موقف أولئك الناس العاديين الذين لا شأن لهم بالسياسة، ولا بقضايا الحكم، ولا بشؤون الحرب؟ ولماذا يدفعون الثمن الباهظ في سبيل أن تنجح ثورة، أو يحصد قائد عسكري رؤوس خصومه؟ ثم لماذا تجرّ المدن أبناء تلك القرى إلى الحرب، آخذةً مبرّرات الوطن والوطنية، وكل تلك الشعارات؟

● في كتابك «أفريقي في فلسطين» ربطت بين التجربة الإفريقية والوجع الفلسطيني. ما الدافع الحقيقي وراء هذا الربط؟

في الحقيقة، الكتابة عن تجربتي في الأراضي الفلسطينية المحتلة جاءت بشكل عفوي للغاية. مدفوعاً بتلك التجربة الغنية بالتفاصيل والمسارات، وبذلك الزخم العاطفي الناتج عن واحدة من أكثر تجاربي قلقاً، وما صاحب كل ذلك من مواقف ومشاهد وأحاديث ورؤى وحكايات.

وبالتالي، جاء كتاب «أفريقي في فلسطين» كنتيجة حتمية لهكذا رحلة. أما ربط ذلك، على الأقل في أذهان القرّاء، فإن ذلك لم يخطر لي على بال. لأن وجع الإنسان الإفريقي شيء يولد به، ثم يرافقه حتى ساعة الموت. ولعل هذا هو حال الإنسان الفلسطيني. وحده من زار فلسطين، ووحده الإفريقي يعرف ما هو الوجع الفلسطيني، وما هو الوجع الإفريقي، الذي لم أكن معنيّاً به في هذا الكتاب.

● رواية “قودالا” تربط بين الأسطورة والخرافة والواقع السياسي. كيف تفكّك هذا الدمج في عملك؟

إذا كان كل شيء في السياسة ممكناً، فإن كل شيء أيضاً في الخرافة ممكن. وقد أفادني هذا الإمكان في الفضاءين، في رواية «قودالا» بالذات، حيث أصبح القرويون في مأمن عن الحرب، ولو بشكل مؤقت. فالخرافة هنا كانت الدرع الواقي من الموت.

وبحسب الرواية، فإنهم لم يلجؤوا إلى الخرافة إلا اضطراراً، لأنهم سيموتون إن لم يفعلوا ذلك، ولأن هذا هو السبيل الوحيد لدفع العساكر عن الرحيل بعيداً عن قريتهم.

الكتابة ليست فقط، كما يُقال، فعلاً للمقاومة… إنها فعل حب أيضاً.

● ماذا أضافت إقامتك في الإمارات لمسيرتك الأدبية؟

وجودي في بلد يعيش فيه كل إنسان في أمن وكرامة، جعلني أستغل كل وقتي المتاح في دفع مسيرتي الأدبية إلى الأمام. ولم يكن هذا ممكناً لو ظللت أعيش في بلدي. فالنظر إلى قضايا البلد الأم من بعيد يختلف عن التعاطي معها عن قرب.

ولأول مرة، وأنا في الإمارات، أكتب نصاً روائياً يدور في المدينة وحدها. وهو ما لم يحدث في نصوصي السابقة، حيث إن القرية تستحوذ مكانياً على الرواية، اللهم إلا في رواية «مزرعة الأسلاك الشائكة» التي تجري معظم أحداثها في حيٍّ من أحياء العاصمة.

● هل أثّرت غربتك عن بلادك في مجمل كتاباتك؟

لا أكتب الغربة كنصٍّ خيالي، وإنما أكتبها في اليوميات، كما كنت أفعل منذ سنوات. فخلال السنة الأولى من وجودي في الإمارات كتبت مئات الصفحات التي لا تخلو من كتابة عن ألم الغربة، ووجع الوحدة، وضيق السبل.

ولكني توقفت بعد ذلك فجأة، لأني لم أعد أتحمّل الكتابة عن آلامي وآمالي إلى هذا الحد. فبدلاً من أن تكون الكتابة ترياقاً لكل هذا الألم، أصبحت خنجراً مغروساً في قلبي. وكان التوقف عن الاستمرار في الكتابة هو الخيار الوحيد. فما كنت أعرف ماذا يحدث لو لم أتوقف.

● قال الشاعر الكبير نزار قباني: “الحب في الأرض بعض من تخيّلنا، لو لم نجده في الأرض لاخترعناه”. هل هناك مساحة للحب في رواياتك؟

الكتابة ليست فقط، كما يُقال، فعل مقاومة، وإنما فعل حب أيضاً. ونجد الحب في «رماد الجذور» و«مزرعة الأسلاك الشائكة» و«قودالا» كقصص ثانوية، بينما نجده كثيمة أساسية في رواية «تحت سماء واطئة».

● عملتَ في الصحافة، وقلت إن تجاربك الصحافية ساعدتك على “النَّفَس الطويل” في الرواية. كيف تبدو العلاقة بين الصحافة والكتابة الإبداعية في تجربتك؟

صحيح أن تجربتي في الصحافة ألهمتني النفس الطويل في السرد، ولكني لا أحبّ التقريرية في الرواية، ويمكن استخدامها في مساحات قليلة في النص، إذا ما استدعى المبرر الفني ذلك، ولكن الاستغراق فيها يفسد النص تماماً، ويحوّله إلى تقرير جامد أو خبر صحفي.

● ذكرتَ أنك ترجمت بعض فصول «سيمفونية الجنوب» إلى الإنجليزية، وترغب أن تُترجم أعمالك إلى الفرنسية أو غيرها. ما التحدّيات التي تواجه الترجمة من تشاد إلى العالم؟

في الحقيقة، لا توجد مشاريع ترجمة في تشاد، باستثناء بعض الجهود الفردية الخاصة بالمبدعين أنفسهم. لكن الأمر لم يرتقِ إلى مستوى المؤسسات العاملة في المجال الثقافي.

وتكمن التحدّيات في عدم وجود مترجمين ضليعين بمهمة الترجمة، وإذا توفر المترجم فإن الكاتب لا يستطيع تحمّل تكاليف الترجمة، علاوة على ذلك، غياب المؤسسات العربية التي يمكن أن تدعم مثل هذه المشاريع، بسبب الفجوة بينها وبين المشهد الثقافي في إفريقيا جنوب الصحراء.

● كيف ترى دور الترجمة في “تمكين” أصوات مبدعة مثل صوتك من الوصول إلى قارئ عالمي؟

لا شك أن الترجمة تفتح نافذة إضافية للكاتب، وبالتالي فإنه يكون قد اكتسب بُعداً ثقافياً وجغرافياً ما كان بإمكانه الوصول إليه لولا الترجمة.

عندما تكون كاتباً من هامش الهامش العربي فأنت بحاجة إلى الخروج من عزلتك ومغادرة قوقعتك المعتمة، لعل هذا العالم الذي تعيش على هامشه يلتفت إليك في نهاية المطاف. غير أن الإشكال هو غياب الرؤية الثقافية على مستوى العالم العربي، لأن الكاتب العربي نفسه يعيش في حالة ثقافية تعيسة للغاية، وبالتالي فإن المسألة تتجاوز الهامش والمركز، وتصبح أكثر تعقيداً.

لكني أجزم أن الترجمة هي السبيل الأمثل للخروج من هذا المأزق.

أن تكون كاتباً من هامش الهامش العربي يعني أن تبحث عن نافذة… والترجمة هي النافذة الأوسع.

● ما هي المشاريع التي تعمل عليها حالياً؟ وهل يمكننا القول إن هنالك “تحوّلاً” في مفرداتك الكتابية؟

عملتُ هذا العام على العودة إلى كتابة القصص القصيرة، التي هجرتها منذ عشر سنوات، لأتحوّل إلى كتابة الرواية. ولعلّي أنشرها العام القادم.

بخصوص التحول في المفردات، فإن كتابة الرواية عبارة عن تجربة دائمة، لا تقتصر على نص أو نصين، وإنما ترافق الكاتب طوال حياته. فليس هناك شيء ثابت، وليس هناك يقينيات في الأدب.

وبالتالي، فإن الكاتب يقوم كل مرة بمحاولة مختلفة لكتابة نص جديد، لا ينتمي شكلياً أو نظرياً إلى النص الذي قبله. وأعتقد أن هذا الالتزام يعني أن الكاتب يسعى إلى تطوير أدواته، ولا يريد أن يكون نمطياً يكرر ذاته في كل محاولة.

● قلتَ في حوار سابق إنك تنتمي — لا شعورياً على الأقل — إلى ملامح أدبية في إفريقيا وأميركا الجنوبية والعالم. ما معنى ذلك عملياً في كتابتك؟ كيف تظهر أميركا الجنوبية في نصك؟

عنيت أن ثمة أوجه شبه بين العالمين الأمريكي الجنوبي والأفريقي الأسود؛ فالأصالة والطبيعة والواقعية السحرية، كلها عناصر مشتركة بين أدب القارتين. وشخصياً أميل إلى قراءتهما، لأنني أشعر أنهما يعبّران عني أكثر مما يفعل الأدب الغربي عموماً.

● كيف يتعامل الناقد العربي مع أدب تشاد؟

لا أعرف إذا كان الناقد العربي يملك الفضول ليكتب عن مثل هذا الأدب الذي يعيش غربته الخاصة. لأن العربي تقريباً لا يعرف شيئاً خارج نطاق جغرافيا الجامعة العربية، وأظن أن هذا التنميط في التعامل مع اللغة العربية أضرّ بها ولا يزال.

غير أن هذا الكلام لا يمكن أن يُعمّم، فثمة نقّاد، رغم قلّتهم، كتبوا عن عدة روايات تشادية، وتعاملوا معها كما يتعاملون مع أي نص عربي آخر. طبعاً جلّهم استوعب بصعوبة مسألة أن يكتب كاتب من إفريقيا جنوب الصحراء باللغة العربية.

● ما هي الدول التي زرتها واعتمدت عليها في أدب الرحلات الذي تتقنه؟ وهل تفكّر بزيارة سورية؟

حظيتُ بزيارة عدد من البلدان العربية، من بينها لبنان “التي كتبتُ عنها كتاب «حكاية الأرض للسماء»” ومصر، كتبتُ عنها يوميات غير منشورة، فضلاً عن الأردن وتونس “كتبت عنها نصاً ضاع مع الزحام”، والأراضي الفلسطينية المحتلة التي كتبتُ عنها يوميات: «أفريقي في فلسطين».

ومن يدري؟ لعل الزمن يسمح لي بزيارة سوريا، حتى تكتمل رحلتي إلى بلاد الشام كلها.

● حصلتَ على جائزة توفيق بكّار للرواية في تونس. ما الأثر الذي تركه هذا النجاح في مسيرتك؟ وما رأيك في الجوائز الأدبية العربية، وهل هي التي تحدد قيمة الكاتب؟

أعتقد أن أي جائزة عربية أو غير عربية لا يمكنها أن تحدد ما هو جيد في الرواية وما هو رديء. يمكننا أن نجد نصاً روائياً جيداً لم يحظَ بجائزة واحدة، وبالمقابل فإننا كثيراً ما نقرأ نصاً روائياً رديئاً مُتوَّجاً بجائزة، ولا قيمة له مطلقاً.

لكن الجوائز في النهاية تدفع الكاتب إلى مضاعفة العمل وكتابة نصوص غير مكررة، لا تشبه بعضها، يحاول فيها كل مرة إثبات أن أدواته الفنية قد تطوّرت على المستوى الفني والشكلي، ولا يتأتّى هذا إلا بالجهد المتواصل والعمل المتراكم.

● كيف تقيّم المشهد الأدبي الإفريقي المكتوب بالعربية اليوم، وما الذي يحتاجه ليأخذ مكانه الطبيعي في الثقافة العربية؟

هناك العديد من الكتابات التي تصدر بالعربية كل سنة من دول مثل تشاد والسنغال ومالي وإريتريا، وهي نصوص رائعة لا تقلّ من حيث الجودة عن مثيلاتها في المنطقة العربية.

وأظن أنها نموذج للتواصل العربي الإفريقي الذي يستحق أن تعامله المؤسسات العربية بشيء من الجدية، إن لم نقل الخصوصية، بحيث يكون متاحاً للقارئ العربي، وللمهتم بوجود اللغة العربية في إفريقيا جنوب الصحراء، ومن ثم شيئاً فشيئاً سيجد هذا الأدب مساحته الطبيعية في الثقافة العربية.

● لو اختصرت مشروعك الأدبي في جملة واحدة، ماذا تقول؟

هو محاولة لاتّخاذ موقف من الوجود برمّته.