مارس 2, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

نزار الحصان.. يصغي إلى وجع الأطفال في التغريبة السورية






نزار الحصان.. يصغي إلى وجع الأطفال في “التغريبة السورية”

آفاق سينمائية – جوليا دومنا برس

ضمن فعاليات تظاهرة أفلام الثورة السورية، شهدت سينما الكندي دمشق عرض الفيلم الوثائقي المؤثر «التغريبة السورية» للمخرج نزار الحصان، في أمسية حملت الكثير من التأمل والوجع الإنساني.

امتلأت القاعة بجمهور متنوّع من محبي السينما والمهتمين بالشأن الثقافي والحقوقي، الذين تابعوا بإنصات هذا العمل الفريد الذي أعاد فتح الجرح السوري، ولكن من نافذة مختلفة تماماً — من عيون الأطفال.

فيلم من ذاكرة الطفولة الموجوعة

يقدّم فيلم «التغريبة السورية» شهادة مؤلمة وصادقة عن الحرب واللجوء كما عاشها الأطفال. على مدى 71 دقيقة، يأخذنا نزار الحصان في رحلة إنسانية تمتد من سوريا إلى تركيا واليونان وصربيا وهنغاريا وصولاً إلى النمسا، ليرسم خريطة وجع ممتدة عبر الحدود، موثّقاً ذاكرة جيلٍ لم يعرف من طفولته سوى الحرب.

الفيلم من إنتاج صنّاع الحياة للإعلام – فيينا 2024، ويُعدّ من أبرز الأعمال التي تلتقط المأساة السورية من منظور جديد، بعيد عن الخطابات السياسية، ليقدّمها ببساطة وعمق إنساني نادر.

لغة بصرية تجمع الألم والفن

بجرأة جمالية واضحة، مزج الحصان بين الوثائقي والفن التشكيلي والأنيميشن، حيث تحوّلت رسومات الأطفال إلى مشاهد متحركة تنبض بالمشاعر وتترجم ما لا يُقال. اختار المخرج الألوان الأحمر والأسود لتجسيد وجع الذاكرة السورية، بينما سمح لخيوط الضوء أن تنبثق بين المشاهد كرمزٍ للأمل الكامن في أعماق الطفولة.

هذا المزج بين التعبير البصري والتوثيق الواقعي منح العمل هوية فنية ناضجة، جعلته أقرب إلى قصيدة بصرية عن الفقد والحنين والبحث عن وطنٍ ضائع في ذاكرة الأطفال.

عرض ترك أثراً

ترك عرض الفيلم في سينما الكندي بدمشق أثراً بالغاً في نفوس الحاضرين، الذين تفاعلوا مع شهادات الأطفال ورسوماتهم، ومع اللغة البصرية التي اختارها المخرج لتقول الكثير بصمتها, وفي النقاش الذي أعقب العرض، أُشيد بجرأة العمل وبأسلوبه الإنساني الذي يوازن بين الفن والتوثيق.

نزار الحصان.. المخرج الذي يصغي إلى وجع الإنسان

يُعدّ نزار الحصان من المخرجين السوريين الذين اختاروا أن يجعلوا من السينما مساحةً للإصغاء إلى الوجع الإنساني. حاصل على ماجستير في الإخراج السينمائي من موسكو، ويقيم حالياً في فيينا. أنجز عدداً من الأفلام القصيرة والأعمال المسرحية، ويعمل ككاتب وصحفي، لكن تجربته في «التغريبة السورية» تمثل ذروة نضجه الإبداعي.

في هذا الفيلم، منح الحصان الكاميرا للأطفال، لا ليصوّرهم فقط، بل ليجعلهم يرون العالم بعيونهم هم. فهو لا يروي الحرب كحدث، بل كجرحٍ في الذاكرة، ولا يوظّف اللجوء كأرقام أو لقطاتٍ إخبارية، بل كلحظة فقدٍ إنسانيٍّ طويلة. وبهذا المعنى، يصبح الفيلم امتداداً لمشروعه الفني الذي يؤمن بأن السينما ليست مجرد توثيق، بل لغة للمصالحة مع الذات والذاكرة.

الفن كذاكرة مفتوحة

من خلال «التغريبة السورية»، يذكّر نزار الحصان بأن الفن قادر على أن يرمّم ما تكسّر في الإنسان، وأن الكاميرا يمكن أن تكون مرآةً للشفاء، لا مجرد شاهدٍ على الألم. لقد جعل من السينما ذاكرة مفتوحة على الأمل، ومن الأطفال شهوداً على زمنٍ لا يُنسى.

إعداد: فريق جوليا دومنا برس