مقدمة تحريرية
في هذا النص، لا يكتب جابر سعيد محمد عن الحرب بوصفها حدثًا سياسيًا أو عسكريًا، بل بوصفها يومًا عاديًا يثقل الروح، ويتسلّل إلى تفاصيل الحياة الصغيرة: الاستيقاظ، الصلاة، انتظار الصباح، ضحكة طفلة وُلدت مع النار، وجلسات أصدقاء يحاولون النجاة بالكلام.
إنه سردٌ حميميّ لوجعٍ جماعي، تُروى فيه مأساة السودان من زاوية الإنسان العادي، لا من منصة الخطب أو نشرات الأخبار، بل من قلب البيوت والطرقات والذكريات.
هذا النص شهادة وجدانية على زمنٍ تتكسّر فيه الأحلام، ويظل الأمل – رغم كل شيء – معلقًا بصوت طفلة، أو دعاء فجر، أو إيمانٍ عميق بأن للسلام موعدًا مهما طال الانتظار.

يأتينا العام الجديد وبلادُنا تمرّ بوقتٍ عصيب، ومنعطفٍ غير مسبوق. يأتي العام، وهناك جنودٌ يتقاتلون ليلَ نهار، حتى ليكاد لا تمرّ ساعة أو دقيقة دون أن يُقتل فيها إنسان، أو تُخاض فيها معركة، صغيرة كانت أم كبيرة.
وتمضي السنة، بينما الآلاف من أهلنا يعانون آلام البُعد والفُرقة والنزوح واللجوء؛ فُرقة الأحباب والأصدقاء، والأماكن التي سكنت الوجدان، وعطرها الذي ما يزال عالقًا في ذاكرة كل سوداني.
السوق العربي، أزقة عمارة السلام، وشارع البلدية، حيث كان اجتماع أطياف المجتمع السوداني من شتى بقاع البلاد. حيث يتوافد المثقفون، يبدأون يومهم بقراءة أخبار الصحف اليومية، وينتقدون الشأن السياسي، ويتداولون الأفكار حول الوضع المالي، وكيف أصبح عسيرًا، بل خانقًا.
يأتي عامٌ جديد، والشعب تحت وطأة حربٍ طاحنة بين من يؤمنون بالعدالة والحرية، ومن يريدون إبقاء البلاد على حالها. يتطوّر العالم، ولا تزال بلادُنا تقبع في الظلم والدكتاتورية والمآسي.
يومٌ جديد يمرّ على حياتي، ولا زلت أتمنى… ويا ليت الأماني تتحقق.
لو يعود الماضي، حيث تتفتح الأزهار كل صباح، ويغدو حلمي بالحصول على درجة الماجستير قريب المنال.
أصحو كل صباح، وأصوات المدافع تنطلق بين المتحاربين، الذين أنتمي إلى طرفٍ منهم وأدعمه، لكنني أتأسف على حال وطني وشعبي، الذي يتداعى نحو الهاوية مع كل فجر. أتحسّر لرؤية ملامح الحزن والألم في وجوه أمهاتنا في الطرقات، وهن يحملن ثقل القلق على أبنائهن المتقاتلين.
وأرى الجوع والمرض في وجوه أناس قد لا أعرفهم، لكنني أنتمي إليهم، ويجمعني بهم وجدان الوطن الواحد، ومحبته.
أصحو عند الخامسة إلا ربعًا فجرًا لأداء صلاة الصبح، وأتضرّع إلى المولى عز وجل أن ينقذ هذا الوطن من الدمار. ثم أعود إلى مرقدي حتى الثامنة والنصف صباحًا. لم تعد هناك حاجة للاستيقاظ باكرًا، أو الاستعداد لتحقيق الأهداف؛ فقد عطّلت الحرب كل شيء.
وعند التاسعة، وبعد الاستحمام والسواك، أذهب لأداعب أميرتي الصغيرة إيلاف، أو كما تُسمي نفسها محاولةً الكلام: (إِلاف – أف)، ابنة أختي، ذات العام والنصف… ابنة الحرب.
وُلدت مع بدايتها، جاءت إلى الدنيا وشعبُها يعاني. وجودها في المنزل بمثابة الفرح بعد الحزن؛ فهي أميرة البيت، تزيل الهمّ بمجرد رؤيتها. صوتها وهي تناديني: «دادي»، بصوتٍ شجي، يحمل عبق الحياة وروعة الخالق، ورونق الدنيا الجميل. كانت دائمًا مفتاحًا لجنّتي الصغيرة، وأنا أحاول التحدث معها بلغتها الطفولية، حين لا تنطق الحروف كاملة، وأشجعها على ترديد الكلمات.
بعدها أخرج من المنزل، حيث الأصدقاء الذين ما زالوا صامدين في هذه المحنة. نلتقي عند متجر الصديق مصعب (تيه)، نتبادل التحايا، وسرعان ما نجد أنفسنا – من غير قصد – في نقاشٍ عن مأساة وطننا.
نتبادل الأفكار والأخبار، ونرسم أحيانًا تصورات لما بعد الحرب، وأحيانًا يتملّكنا اليأس. نتجادل: متى تنتهي هذه الحرب اللعينة؟
يقول بعضنا إنها قد تطول، ويقول آخر – وفي قلبه أمل – إنها ستتوقف بإذن الله.
نواصل حديثنا، وأحيانًا نطلق تعليقات عابرة على المارة، نتحسّر على نحول أجسادهم، وعلى ما فعلته بهم هذه الحرب.
كل ذلك بحضور الصديق خالد (قريقير)، الرجل الصدوق، الذي أراه عنوانًا للأخوّة والوفاء. لا يختلف حاله عن حالي؛ توقفت به السبل، وحالت الحرب دون تحقيق أهدافه، لكنه ما يزال صامدًا صمود الجبال. لا يشغله سوى أن تتوقف الحرب ويعمّ السلام، مؤمنًا بشعار ثورة ديسمبر: حرية، سلام، وعدالة، وكان جزءًا من ثوارها ومناصريها.
وعند الليل، نذهب إلى مجلسنا، حيث نتسامر مع مجموعة من الأصدقاء، تختلف أعمارهم وتتباين حيواتهم. نبدأ حديثنا عادةً بالشأن السياسي والعسكري، وكلٌّ يدلي بدلوه عما يحدث لهذا الوطن.
تارةً نسمع عن أبرياء قُتلوا في الصحارى والمدن، وتارةً عن جريمة ارتُكبت في إحدى قرى الجزيرة، أو في مدن بعيدة: الكومة، مليط، نيالا… مدن جميلة لم يتسنَّ لي زيارتها، لكن الوجدان ارتبط بها، كأن لي فيها ذكريات أطلالٍ أفتقدها.

More Stories
تأجيل فعاليات كتارا حتى إشعار آخر
علي ثويني يقرأ العمارة بوصفها لغة:صدور «العبارة والعمارة» في مقاربة فلسفية جديدة
“فرانكنستاين يعود إلى موطن الإلهام… متحف بريطاني يعيد قراءة ماري شيلي بعد قرنين”