مارس 2, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

لماذا تدفع الحكومات الأوروبية مبالغ مرتفعة من أجل عودة السوريين إلى بلادهم؟

من منظور إنساني، هذه المبالغ أشبه بمصاريف سفر ومساعدة مؤقتة لا تكفي لإعادة بناء حياة في بلد ما زال يعاني من الفقر وانعدام الأمن.

باسل خلف – جوليا دومنا برس

في السنوات الأخيرة، تصاعدت في أوروبا سياسة جديدة تُعرف باسم “العودة الطوعية المدعومة”، وهي برامج تقدّم من خلالها الحكومات الأوروبية مبالغ مالية وتذاكر سفر للاجئين، بهدف تشجيعهم على العودة إلى بلدانهم الأصلية، وعلى رأسها سوريا.
لكن خلف هذا “الكرم” الرسمي تختبئ دوافع سياسية واقتصادية معقّدة، تطرح أسئلة أخلاقية وقانونية حول مفهوم “العودة الطوعية” وحدودها الإنسانية.


أموال مقابل العودة.. سياسة “التحفيز”

تسعى حكومات أوروبية عدة إلى تقليص أعداد السوريين المقيمين على أراضيها، عبر برامج تحمل أسماء مختلفة مثل Reintegration Support أو Voluntary Return Aid.
يحصل من يوافق على العودة إلى بلده على تذكرة سفر باتجاه واحد، ومبلغ نقدي يتراوح بين 1000 و1500 يورو في أغلب الحالات، إضافة إلى دعم بسيط لإعادة الاندماج أو بدء مشروع صغير.

فعلى سبيل المثال:

أعلنت النمسا في منتصف عام 2024 عن منحة قدرها 1000 يورو لكل سوري يوافق على العودة طوعاً.

قبرص بدورها قدّمت 1500 يورو وتذكرة سفر، في محاولة لخفض الضغط عن مراكز اللجوء المكتظة.

هذه المبالغ، رغم تواضعها، تُقدَّم على أنها “مساعدة إنسانية”، لكنها في جوهرها وسيلة لتقليل الكلفة الباهظة لبقاء اللاجئين داخل أوروبا.


الدافع الاقتصادي: إنهاء عبء اللجوء

استقبال اللاجئين يعني تكاليف باهظة تتحملها الحكومات الأوروبية:
سكن مدعوم، مساعدات اجتماعية، تأمين صحي، تعليم مجاني، ومتابعة إدارية طويلة ومعقّدة لملفات اللجوء.

من وجهة نظر مالية بحتة، ترى هذه الحكومات أن دفع مبلغ مقطوع لمرة واحدة أفضل من إنفاق آلاف اليوروهات سنوياً على دعم أسرة واحدة.
لذلك تتحول المكافأة على العودة إلى أداة اقتصادية لتخفيف الأعباء، وليس لتمكين حياة كريمة في بلد لا يزال يعاني من دمار واسع وبنية تحتية شبه منهارة.


الدافع السياسي: إرضاء الناخبين وصعود اليمين

مع صعود التيارات اليمينية والشعبوية في عدد من الدول الأوروبية، أصبح ملف اللجوء ورقة انتخابية حساسة.
الأحزاب اليمينية ترفع شعار وقف الهجرة وتضغط على الحكومات لتقليص أعداد اللاجئين.

ولأن الترحيل القسري يثير اعتراضات قانونية وإنسانية، تلجأ الحكومات إلى الحل الوسط:

نحن لا نطرد أحداً، بل نساعد من يريد العودة طوعاً، وندعمه مادياً.

بهذه الطريقة، تكسب الحكومات نقاطاً أمام الرأي العام، وتتجنب انتقادات المنظمات الحقوقية.


بعد سقوط النظام السابق في سوريا.. إعادة رسم السياسة

منذ سقوط نظام بشار الأسد وتغيّر السلطة في دمشق أواخر 2024، بدأت بعض الدول الأوروبية بإعادة تقييم ملفات اللجوء للسوريين.
فقد جمّدت دول عدة النظر في طلبات اللجوء الجديدة، أو أعادت دراسة الملفات القديمة على أساس أن الظروف تغيّرت.
وفي المقابل، تؤكد الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان أن العودة الآمنة والكريمة لا تزال بعيدة المنال، محذّرة من الاعتقالات والانتهاكات المستمرة داخل سوريا.

وبين هذين الموقفين، تحاول أوروبا أن تمسك العصا من الوسط:

لا تعلن الترحيل القسري.

لكنها تدفع الأموال لتقليل الأعداد تدريجياً.


البعد الأمني: من اللاجئ المحتاج إلى التهديد المحتمل

في خلفية هذه السياسات، يبرز هاجس أمني متزايد:
الخوف من تسلل عناصر متطرفة أو عودة مقاتلين سابقين ضمن موجات اللجوء.
لذلك تحرص الأجهزة الأوروبية على مراجعة ملفات السوريين بدقة، وتعتبر بعض الفئات ذات خطورة محتملة أول من يمكن تشجيعهم على العودة عبر هذه البرامج.


الطوعية بين الواقع والضغط

تُقدَّم برامج العودة كخيار طوعي، لكن منظمات حقوقية كثيرة ترى أنها تتحول عملياً إلى شكل من أشكال الإكراه غير المباشر.
ففي الدنمارك مثلاً، أُعلنت مناطق في دمشق آمنة، وسُحبت تصاريح إقامة من مئات السوريين، لكنهم لم يُرحّلوا فعلياً بسبب غياب العلاقات مع دمشق.
بقي هؤلاء في مراكز ترحيل بلا حق في العمل أو الدراسة، حتى غدا خيار العودة الطوعية الطريق الوحيد للخروج من مأزق الإقامة القسرية.


ماذا تعني هذه الأموال فعلاً؟

من منظور إنساني، هذه المبالغ أشبه بمصاريف سفر ومساعدة مؤقتة لا تكفي لإعادة بناء حياة في بلد ما زال يعاني من الفقر وانعدام الأمن.
هي في الحقيقة أداة لإدارة الأزمة أكثر من كونها حلاً لها، ومحاولة لتجميل سياسة إعادة اللاجئين دون إعلان صريح بذلك.


يمكن تلخيص دوافع أوروبا في أربع نقاط رئيسية:

  1. خفض الكلفة الاقتصادية عبر تشجيع اللاجئين على المغادرة بدلاً من البقاء سنوات على الإعانات.
  2. كسب التأييد السياسي الداخلي في ظل تصاعد الخطاب المعادي للهجرة.
  3. إعادة تعريف وضع السوريين بعد تغيّر النظام السياسي في دمشق.
  4. الخروج من المأزق القانوني والأخلاقي بوسيلة تبدو “إنسانية” على الورق لكنها واقعية في أهدافها.

في النهاية، تبدو العودة الطوعية المدفوعة مرآة لسياسات أوروبا المترددة:
لا تريد التورط في ترحيل قسري، ولا ترغب في استمرار عبء اللجوء، فتختار طريقاً وسطاً بين الأخلاق والسياسة…
طريقاً يُغلفه المال، لكنه لا يضمن للسوريين أمناً ولا كرامة حين يطرقون أبواب وطن ما زال يبحث عن سلامه المفقود.