مارس 4, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

الكتابة فعل أمانة في زمن الذكاء الاصطناعي

الكتابة فعل إنساني أخلاقي، لا يُختصر بالخوارزميات، ولا يُستعار فيه الإحساس.

مقبول الرفاعي-فيينا

الكتابة مشاعر قبل أن تكون كلمات، ورصًّا للأحرف، أو «سرقة» لأفكار الغير ومشاعرهم.
ما أعذب أن تصف إحساسك تجاه الوردة التي تشعر أنها تبتسم لك،
أو أن تكتب كلماتك في صباحٍ مملوءٍ بأريج عطرك،
أو تنقل إحساسك حينما تكون بين قطرات الندى، وترى تلك القطرات كأنها دموع الفرح تسيل من أوراق الزهور،
أو تصف نغم موسيقى أصوات العصافير وهي تغني، مع ارتشاف قهوتك،
وما أبلغ أن تصف مشاعرك الفيّاضة في محراب عبادتك،
وما أجمل ما يخطه قلمك عن جمال الحياة، ومشاهدتك لها من زاوية التفاؤل والطموح.
لقد أُرهقنا من قراءة الأخبار المؤلمة،
وسئمنا من مشاهدة المصائب الموجعة،
وتركنا ذلك لمن أراد الخوض، منطلقًا من عمله كسياسي، أو إعلامي، أو رجل دولة…
لكننا، عندما اتجهنا لنعيش بسلامٍ في ربوع الأدب، شعرًا، نثرًا، ونصوصًا متنوعة في الشعر الحر أو الشعر الشعبي الذي نحبه،
أصبحنا نقرأ معلقات في الشعر، وصفحات من نصوص النثر،
وأحيانًا نرى مشاهد مصوّرة أو مسموعة،
ونقرأ كتابات في صفحات التواصل الاجتماعي أو المواقع الإلكترونية،
فتختلط علينا المشاهد والنصوص، ولم نعد نحس للنص روحه؛ لأن الكثير المنشور من «آلة التوليد الاصطناعي».
ذلك أن استعارة مشاعر الغير عبر «الذكاء الاصطناعي»، مثلًا، سواء بالكتابة أو بالصور الثابتة أو المتحركة، جعلتنا في موضعٍ أخلاقيٍّ مشبوه.
ورغم أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا من حياتنا، وله في حياتنا فوائد كبيرة،
إلا أن القيم النبيلة توجب علينا أن نكون عند مستوى المسؤولية فيما نكتب أو نتحدث،
وأن تكون لدينا الشجاعة الأخلاقية في التصريح الصادق في كلامنا أو نقلنا.
وعلى كل الذين يمارسون الكتابة في الثقافة والأدب خاصة، وباقي العلوم عامة،
أن يعلموا أن المعين الذي لا ينضب ليكونوا كُتّابًا، باحثين، ومؤلفين، إنما هو القراءة،
وكسب الثروة الثقافية من الكتب التي هُجرت،
وأصبح الكثير منا يعيش جفافًا فكريًا ثقافيًا، بسبب العزوف عن القراءة واصطحاب الكتاب.
إنني، حينما أقرأ لكاتب وهو يكتب عن مجموع الكتب الشهرية التي قرأها،
ويأتي بعد ذلك ويتحدث عن مشروع كتابه الجديد،
أحس أنني بحاجة وشوقٍ لذلك الإصدار،
الذي سيكون حصيلة معرفية لما اكتسبه من علوم.
إن الكُتّاب اليوم مطالبون باحترام عقول الناس وأذواقهم، الذين يقرأون لهم،
وإن المراكز الثقافية ومتصدري نشر الثقافة، أفرادًا أو مؤسسات،
عليهم أيضًا احترام الجمهور، وألا يكونوا «شهود زور» في الترويج لما يلوّث ثقافتنا، وحتى أذواقنا،
وأن المجتمع اليوم كله يتوجب عليه أن يكون حارسًا أمينًا لقيم الثقافة،
مثل حراسته لقيم العدالة والحرية.