مارس 4, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

حين يُراقَب الجسد بدل الفعل: منع المكياج في سوريا كاختبار للحرية الشخصية

قرار إداري يفتح نقاشًا واسعًا حول حدود التنظيم واحترام الخيارات الشخصية، بعيدًا عن أي بُعد ديني.

بين الضبط الاجتماعي والجدل حول الحريات الفردية


أثار قرار منع وضع المكياج في بعض المؤسسات التعليمية والبيئات الرسمية في سوريا موجة واسعة من الجدل، أعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة–جديدة حول حدود السلطة على الجسد، ومعايير “الانضباط” المفروضة على النساء، والفاصل الدقيق بين التنظيم الإداري والتدخل في الحريات الشخصية.
خلفية القرار وسياقه
يأتي هذا القرار في سياق عام يتسم بتشديد الضوابط السلوكية داخل بعض المدارس والجامعات والمؤسسات، تحت ذرائع متعددة، أبرزها “الحفاظ على الانضباط العام”، و”منع المظاهر غير اللائقة”، و”ضمان بيئة تعليمية أو مهنية جادة”. وغالبًا ما يُقدَّم المكياج في هذا الخطاب بوصفه عنصر تشتيت أو مظهرًا لا ينسجم مع الطابع الرسمي للمكان.
لكن اللافت أن هذه الإجراءات، حين تُطبَّق، تستهدف النساء بشكل شبه حصري، ما يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول البعد الجندري للقرار، وحدود المساواة في تطبيق القوانين السلوكية.
بين التنظيم والوصاية
لا يرفض كثيرون مبدأ وجود قواعد عامة للمظهر داخل المؤسسات، كما هو معمول به في دول كثيرة. غير أن الإشكالية تكمن في طبيعة هذه القواعد، وفي مدى دقتها وموضوعيتها. فالمكياج، بوصفه خيارًا شخصيًا وتعبيرًا فرديًا عن الذات، يتحول هنا إلى “مخالفة” قابلة للعقاب أو المساءلة، ما يُدخل القرار في دائرة الوصاية الأخلاقية أكثر مما يضعه في إطار التنظيم الإداري.
ويرى منتقدو القرار أن ضبط الأداء الأكاديمي أو المهني لا يرتبط بالمظهر الخارجي بقدر ما يرتبط بالكفاءة والالتزام، وأن ربط الجدية بشكل المرأة أو زينتها يعكس نظرة نمطية قديمة، لا تنسجم مع تحولات المجتمع ولا مع أبسط مفاهيم الحقوق الشخصية.
ردود فعل متباينة
على وسائل التواصل الاجتماعي، انقسمت الآراء بحدة. فبينما أيّد بعضهم القرار باعتباره وسيلة “لضبط الفوضى” و”إعادة الهيبة” للمؤسسات، اعتبره آخرون خطوة إلى الوراء، تُثقل كاهل النساء بقيود إضافية في بلد يرزح أصلًا تحت أزمات معيشية واقتصادية خانقة.
كثير من الأصوات النسوية رأت في القرار امتدادًا لسلسلة طويلة من التدخلات في حياة المرأة السورية، تبدأ من لباسها ولا تنتهي عند خياراتها الشخصية، في وقت يُفترض فيه أن تكون الأولوية لتحسين جودة التعليم، وتوفير بيئات آمنة وداعمة، لا بيئات رقابية وعقابية.
أسئلة مفتوحة
يعيد قرار منع المكياج طرح أسئلة أعمق من حدود مستحضرات التجميل نفسها:
من يحدد “اللائق” و”غير اللائق”؟
وهل تُبنى المجتمعات المنضبطة عبر مراقبة المظهر، أم عبر ترسيخ الوعي والمسؤولية؟
ثم، لماذا تتحول المرأة دائمًا إلى ساحة اختبار لهذه القرارات؟