مارس 2, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

جُرحٌ دفين

حين تنظر الذاكرة إلى ما بقي من المكان.


تمهيد
في الثاني من شباط، سنة اثنتين وثمانين وتسعمائة وألف، كانت مجزرة حماة.
في تلك الأيام، فقدت الشاعرة غادة رجب والدها وبيتها، وشهدت أهوالاً لا تمّحي من الذاكرة.
كُتبت هذه القصيدة بعد سبعةٍ وعشرين يوماً من المجزرة، عند العودة إلى الحيّ المهدّم، حين وقفت الشاعرة أمام الركام بعينٍ يترقرق فيها الدمع، وقلبٍ يحترق بصمت.
لم تُنشر هذه القصيدة من قبل.
واليوم، بعد سقوط الطاغية، ترى النور للمرة الأولى، بوصفها شهادة شعرية على الفقد، وعلى مدينة جُرحت… ولم تُمحَ.


جُرْحٌ دَفِينٌ

الشاعرة: غادة البدوي


تُـرَاكَ تَسْمَعُ …. لَوْ نَادَيْتُ أَبَتَاهْ
أَمْ يَرْجِعُ الصَّوْتُ مَخْنُوقاً بِشَكْوَاهْ
فِي أَيِّ أَرْضٍ تُـرَاكَ الآنَ يَا أَبَتِي
وَكَيْفَ حَالُكَ يَا مَنْ لَسْتُ أَنْسَاهْ
فِي كُلِّ ثَانِيَةٍ ذِكْرَاكَ تَحْضُنُنِي
فَطَيْفُ وَجْهِكَ فِي عَيْنِي مَأْوَاهْ
أُخْتَايَ قُرْبِي وَفِي عَيْنَيْهِمَا أَلَمٌ
أَوْدَى بِرِيقَهُمَا دَمْعٌ ذَرَفْنَاهْ
و( يَا مِـنُ ) اتَّسَعَتْ دُنْيَا مَعَارِفِهِ
عَيْنَاهُ تُدْرِكُ سِرّاً مَا خَفَيْنَاهْ
قَدْ صَارَ يَنْطِقُ بَا بَا بَا وَيَتْبَعُهَا
بِلَفْظِ مَامَا وَيُمْلِي الشَّوْقَ عَيْنَاهْ
يَغُوصُ يَقْرَأُ أَحْدَاقاً وَيَسْأَلُهَا
مَنْ ذَا تَرَاهُ أَبِي؟ وَالصَّمْتُ يَلْقَاهْ
إِلَى أَخِي فَرَحاً مُدَّتْ أَصَابِعُهُ
وَصَاحَ مُبْتَهِجاً بَابَا فَأَبْكَاهْ
مَا أَصْعَبَ الحُزْنَ وَالآلَامَ نَكْتُمُهَا
فِي الصَّدْرِ لَاهِبَةً وَالبَوْحَ نَخْشَاهْ
البَيْتُ مَاتَ وَصَلَّيْنَا نُوَدِّعُهُ
وَفَارَقَتْنَا قُلُوبٌ حَيْثُ مَثْوَاهْ
وَالحَيُّ بَاقٍ تُرَابٌ لَيْسَ يَقْصِدُهُ
إِلَّا رَفِيقُ هَوَىً يُهْدِيهِ نَجْوَاهْ
هَذِي النَّوَاعِيرُ كَمْ يَوْمٍ مَرَرْتُ بِهَا
وَكَمْ سَمِعْتُ مِنَ العَاصِي حَكَايَاهْ
كَانَتْ تُغَنِّي فَلَمَّا مَسَّنَا ضَرَرٌ
دَارَتْ تَئِنُّ وَتَبْكِي مَا افْتَقَدْنَاهْ
إِذَا مَرَرْنَا فَلَا أَبْوَابَ تَعْرِفُنَا
وَلَا نَوَافِذَ فِي دَرْبٍ مَشَيْنَاهْ
كَانَتْ لَنَا فِيهِ أَحْلَامٌ مُجَنَّحَةٌ
وَعَيْشُنَا رَغَدٌ يُمْلِي زَوَايَاهْ
النَّاسُ تَرْحَلُ لِلْمَاضِي إِذَا حَزِنَتْ
عَسَى تُخَفِّفُ مَسَّ الحُزْنِ ذِكْرَاهْ
وَكَيْفَ نَرْحَلُ جِسْرُ الأَمْسِ مُنْهَدِمٌ
يَنْزُّ جُرْحَ هَوَانٍ .. مَا احْتَمَلْنَاهْ
فَلَا بَقَايَا مِنَ الجُدْرَانِ لَا أَثَرٌ
وَلَا رَوَائِحَ مِنْ وَرْدٍ زَرَعْنَاهْ
وَكَمْ رَكَضْنَا نَلُفُّ الحَيَّ فِي صِغَرٍ
وَكَمْ لَعِبْنَا بِعُصْفُورٍ صَنَعْنَاهْ
وَكَمْ طَرَقْنَا عَلَى الأَبْوَابِ فِي مَرَحٍ
وَكَمْ هَرَبْنَا لِيُخْفَى مَا فَعَلْنَاهْ
وَكَمْ لَهَوْنَا بِثَلْجٍ فِي أَزِقَّتِهِ
وَكَمْ حَفَرْنَا عَلَى الأَحْجَارِ ذِكْرَاهْ
وَكَمْ سَمِعْنَا صَفِيرَ الرِّيحِ مُكْتَئِباً
وَكَمْ فَرِحْنَا بِمِصْبَاحٍ كَسَرْنَاهْ
مَرَرْتُ بِالحَيِّ، بَلَّ الدَّمْعُ تُرْبَتَهُ
وَهَبَّتِ الرِّيحُ تُفْضِي لِي خَبَايَاهْ
مَدَدْتُ كَفِّي لِلْأَحْجَارِ أَحْضُنُهَا
كَـعَاشِقٍ وَجَدَتْ مَا اشْتَاقَ عَيْنَاهُ
وَرُحْتُ أُرْسِلُ أَشْوَاقِي عَلَى مَهَلٍ
وَفِي الفُؤَادِ لَهِيبُ الحُبِّ يَصْلَاهْ
مَرَّتْ دَقَائِقُ لَا حَرْفٌ نَطَقْتُ بِهِ
وَلَا شَكَوْتُ حَنِيناً بِتُّ أَلْقَاهْ
فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ غَصَّاتُ فَاقِدَةٍ
إِذْ كُلُّ رُكْنٍ بِهَذِي الأَرْضِ أَهْوَاهْ
أَرْضٌ تَئِنُّ وَآفَاقٌ مُمَزَّقَةٌ
وَالدَّمْعُ تَذْرِفُهُ بِالقُرْبِ أَمْوَاهْ
وَالذِّكْرِيَاتُ لَهَا فِي النَّفْسِ مَوْقِعُهَا
جُرْحٌ تَدُقُّ عَلَى الأَيَّامِ كَفَّاهْ
لَوْ يَثْبُتُ الدَّهْرُ فِي يَوْمٍ بِهِ فَرَحٌ
وَكُلُّ ( مَا يَتَمَنَّى المَرْءُ يَلْقَاهْ )
نَلْقَاكَ يَا أَبَتِي بِالبِشْرِ مُكْتَحِلاً
وَالدَّمْعَ نُشْبِعُهُ هَجْراً وَنَسْلَاهْ
كَمْ كُنْتَ تَفْزَعُ مِنْ أَمْرٍ يُفَرِّقُنَا
تَاللهِ حَلَّ بِنَا مَا كُنْتَ تَخْشَاهْ