مارس 2, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

رمضان في حماة… مدينة تدور فيها النواعير ويكتمل المشهد

رمضان في محافظة حماة-جوليا دومنا برس

مساجد حماة في رمضان ليست حجارةً وتاريخاً فقط، بل قلوبٌ مضاءة؛ من مآذنها يرتفع الأذان، وعلى أعتابها يلتقي الناس، لتبقى المدينة عامرةً بالإيمان كما يعمر العاصي بنواعيره.

في حماة، لا يُختزل رمضان في مائدة أو صلاة، بل يُعاش كحالة مدينة كاملة. تدور النواعير على العاصي كما لو أنها تضبط إيقاع الشهر، وتتعاقب التكبيرات من المآذن القديمة، فيما تتكامل الأسواق والساحات والبيوت لتصنع مشهداً روحياً واجتماعياً متماسكاً.
المساجد… قلب الليل الحموي
مع اقتراب الغروب، تخفّ الحركة فجأة. دقائق صمت تسبق الأذان، ثم تتعالى الأصوات من جامع النوري، وجامع أبي الفداء، والجامع الكبير، ومساجد حي الحاضر والبارودية.
صلاة التراويح في حماة ليست طقساً فردياً؛ إنها مساحة لقاء تتجاور فيها الأجيال. وفي العشر الأواخر، تتكثف أجواء القيام والتهجد، فتتحول بعض المساجد إلى محطات سهرٍ روحي حتى الفجر.

الجامع الكبير
جامع أبي الفداء
الجامع الأعلى الكبير


الأسواق والساحات… نبض المدينة
حي الحاضر والسوق المسقوف يشهدان ذروة الحركة قبل المغرب بثلاث ساعات تقريباً. شراء مستلزمات الإفطار طقس يومي له إيقاعه الخاص، تختلط فيه النداءات بروائح الخبز والتوابل.
بعد الإفطار، تستعيد ساحة العاصي حضورها. العائلات تتمشى، الأطفال يملؤون المكان ضحكاً، وعربات السوس والجلاب تضيف لوناً تقليدياً إلى المشهد الليلي.
مائدة رمضان في حماة… هوية متوارثة
المائدة الحموية في رمضان تميل إلى الأطباق الدسمة والمتوازنة في آن، حيث يحضر اللحم واللبن والبرغل والباذنجان كمكونات أساسية.
الأطباق الرئيسية

باطرش- باذنجان مشوي مع الطحينة
يلانجي – ورق عنب محشي بالأرز والخضار
فتة الحمص بالسمن البلدي
سختورة(أحشاء الخروف) محشوة بالرز واللحم


الباطرش الحموي: يعتمد على الباذنجان المشوي والمهروس، يُمدّ في صحن واسع ويُغطى بخليط اللبن والطحينة والثوم، ثم يُزيَّن باللحم المفروم المقلي والمكسرات. يجمع بين دسم اللحم وحموضة اللبن، ويُعد من أطباق العزائم.
السختورة (السجقات البلدية): أحشاء خروف تُنظَّف بعناية وتُحشى بخليط من اللحم المفروم والأرز والبهارات، ثم تُسلق أو تُطهى بمرق غني حتى تنضج تماماً. طبق تراثي يعكس تقاليد التحضير المنزلي في المدينة.
الفريكة باللحم أو الدجاج: طبق أساسي يُطهى بالسمن العربي، وتحضر شوربة الفريكة أيضاً كمدخل دافئ للإفطار.
الشاكرية باللحم: لحم مطهو بلبن مُدعّم بالنشا، يُقدَّم إلى جانب الأرز الأبيض.
برغل بالكوسا (أبو شلهوب): أكلة شعبية تعتمد على البرغل والكوسا واللحم، وتُعرف ببساطتها وقيمتها الغذائية.
المقبلات والشوربات
فتة الحمص (التسقية):
خبز محمص مع حمص ولبن وطحينة وطشة سمن ومكسرات.
يالنجي: ورق عنب محشي بالأرز وزيت الزيتون، يُقدَّم بارداً.
الفتوش: سلطة أساسية بدبس الرمان وزيت الزيتون تكسر دسم الأطباق.
شوربة الفريكة أو العدس: تمهيد تقليدي لمائدة الإفطار.
المشروبات
يبدأ الإفطار بالتمر، تليه مشروبات تقليدية مثل التمر هندي والعرقسوس والجلاب، فيما تبقى عربات السوس جزءاً من المشهد الرمضاني في الساحات.
التكافل… روح الشهر
من العادات المتجذرة في حماة “السكبة”، حيث تنتقل الأطباق بين البيوت، فيتحول الطعام إلى لغة تواصل. تنشط المبادرات الخيرية بهدوء، ويظهر التضامن الاجتماعي بوضوح في الأحياء الشعبية.
المسحراتي ووداع الشهر
في أحياء مثل باب القبلة والعليليات، ما زال صوت المسحراتي حاضراً، يوقظ الناس للسحور ويذكّرهم بقرب الفجر. ومع اقتراب العيد، تتحول البيوت إلى ورش لصنع المعمول والأقراص، ويزداد ازدحام الأسواق استعداداً لليلة الختام.

رمضان في حماة مشهد متكامل: عبادة في المساجد التاريخية، حياة نابضة في الأسواق والساحات، ومائدة غنية تعكس ذاكرة المكان.
تدور النواعير على العاصي كما تدور طقوس الشهر، محافظةً على روح المدينة وهويتها مهما تبدلت الأزمنة.