يونيو 17, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

الفرات… حين تكشف الجيولوجيا أسرار النهر الذي صنع الحضارات

ليس الفرات مجرد نهر يروي الأرض، بل ذاكرة جيولوجية وحضارية هائلة؛ فكل منعطف في مجراه يحمل قصة بدأت قبل ملايين السنين وانتهت بولادة أولى المدن التي غيّرت وجه التاريخ.

تمكّن فريق دولي من علماء الجيولوجيا من تتبّع الأصول الأولى لنهر الفرات، أحد أهم الأنهار في تاريخ البشرية، وكشف الكيفية التي تشكّل بها قبل ملايين السنين، مستعينين بتقنيات المسح الزلزالي التي تُستخدم عادة في البحث عن النفط والغاز.
وأظهرت الدراسة، المنشورة في مجلة Nature Geoscience، أن الفرات لم يكن نهراً واحداً منذ البداية، بل نشأ نتيجة اندماج نظامين نهريين قديمين قبل ما بين 1.6 و3.6 مليون سنة، بفعل النشاط التكتوني المستمر في منطقة جبال طوروس جنوب تركيا.
من نهرين إلى شريان حضاري واحد
اعتمد الباحثون على تحليل صور زلزالية ثلاثية الأبعاد لرواسب مدفونة تحت شرق البحر المتوسط، فاكتشفوا قنوات نهرية تعود إلى أكثر من خمسة ملايين عام، أي إلى فترة جيولوجية شهدت ما يُعرف بـ«أزمة الملوحة الميسينية»، عندما جفّت أجزاء واسعة من البحر المتوسط.
وتبيّن أن سلفي نهري «قره صو» و«مراد» الحاليين كانا يتدفقان بشكل منفصل نحو المتوسط، قبل أن تؤدي التحركات التكتونية في شرق الأناضول إلى تغيير مساراتهما ودمجهما في مجرى واحد أصبح لاحقاً نهر الفرات.
تقنية تشبه التصوير الطبي
شبّه الجيولوجي سيمون لانج من جامعة أستراليا الغربية هذه التقنية بالتصوير بالموجات فوق الصوتية المستخدم في الطب، موضحاً أن العلماء تمكنوا من «رؤية» طبقات الحصى والرمال والطين المدفونة في أعماق الأرض، وإعادة بناء شكل الأنهار القديمة ومساراتها.
نهر سبق الحضارة بوقت طويل

ليس الفرات مجرد نهر يروي الأرض، بل ذاكرة جيولوجية وحضارية هائلة؛ فكل منعطف في مجراه يحمل قصة بدأت قبل ملايين السنين وانتهت بولادة أولى المدن التي غيّرت وجه التاريخ.


ورغم أن الفرات ارتبط تاريخياً بمدن عظيمة مثل أوروك وبابل وأور وماري، فإن نشأته تسبق ظهور الإنسان الحضاري بملايين السنين.
ويرى الباحثون أن فهم تاريخ الفرات يساعد في تفسير الظروف الطبيعية التي مهدت لظهور الزراعة الأولى والكتابة المسمارية والمدن الكبرى في بلاد ما بين النهرين، المنطقة التي تُعد مهد الحضارة الإنسانية.
من جبال الأناضول إلى الخليج
يبلغ طول الفرات نحو 2800 كيلومتر، وينبع من تركيا ماراً بسوريا والعراق قبل أن يلتقي بنهر دجلة جنوب العراق ليشكلا معاً شط العرب الذي يصب في الخليج العربي.
ويؤكد العلماء أن قصة الفرات تبرهن على أن حتى أعظم الأنهار ليست ثابتة عبر الزمن، بل يمكن للقوى الجيولوجية أن تعيد رسم خرائط القارات ومجاري المياه على مدى ملايين السنين، تماماً كما حدث مع نهر الأمازون الذي كان يتدفق في اتجاه معاكس قبل تشكّل جبال الأنديز.