مارس 2, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

الحكواتي السوري.. “راديو” المقاهي القديمة وحارس الذاكرة الذي لا يشيخ

حكايا رمضانية _جوليا دومنا برس

صدى الماضي في حاضرنا.. لم تكن مجرد حكاية، كانت "راديو" الحارة، ومدرسة القيم، ومنتدى السمر. الحكواتي في مقاهي دمشق ليس مجرد راوٍ، بل هو حارس الذاكرة الذي يحيي ملاحم البطولة بضربة عصاه وصوته الرخيم. من كان يصدق أن "يتبع في الليلة القادمة" بدأت من هنا؟ سيف، وطربوش، وكتاب عتيق.. هكذا تُصنع الأساطير.

​دمشق – “الصحافة الثقافية”
​لم تكن المقاهي في الحواضر السورية العريقة، كدمشق وحلب، مجرد محطات عابرة لاحتساء القهوة أو تزجية الوقت بلعب “الطاولة”؛ بل كانت بمثابة “برلمانات شعبية” ومنصات ثقافية حية. وفي قلب هذا المشهد، يبرز “الحكواتي” كشخصية محورية، مرتدياً طربوشه وحاملاً عصاه، ليحول ليل المدينة إلى مسرح شفهي تتقاطع فيه ملاحم البطولة بعبق التاريخ، والأسطورة بتفاصيل الحياة اليومية.
​منبر السرد: كيف استوطن “القصاصون” المقاهي؟
​تعود تقاليد السرد الشفهي في المشرق العربي إلى قرون خلت، حيث كان القصاصون يجوبون الأسواق والميادين. ومع بزوغ فجر المقاهي العثمانية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وجد الحكواتي مستقره الأخير، ليصبح جزءاً لا يتجزأ من بنيتها الهيكلية.

أحد مقاهي دمشق


​في زوايا مقاهي دمشق القديمة، وتحديداً في أحياء “باب توما” و”سوق مدحت باشا”، ازدهرت هذه الظاهرة لتصل ذروتها في الأمسيات الرمضانية، حيث يتحول المقهى إلى فضاء جماعي يتشارك فيه الرواد الانفعال والترقب.
​الملحمة الشعبية: حين تصبح العصا أداة درامية

حكواتي في أحد مقاهي دمشق


​لا يعتمد الحكواتي على نصوص جامدة، بل على سير ملحمية مرنة مثل “عنترة بن شداد” و“الظاهر بيبرس” و“أبو زيد الهلالي”. وتكمن عبقرية هذا الفن في “الأداء”، حيث يستخدم الحكواتي تقنيات تتشابه مع المسرح الحديث:
​التلوين الصوتي: رفع الصوت في مواطن القتال وخفضه في لحظات الوجد.
الإيماءة الحركية: استخدام “العصا” لضرب الأرض تأكيداً على ذروة الحدث.
​التعليق الدرامي: التوقف عند عقدة مشوقة وتأجيل الحل للغد، وهو التكتيك الذي استلهمته المسلسلات التلفزيونية المعاصرة (Cliffhanger).


​”الحكواتي ليس مجرد راوٍ؛ إنه وسيط معرفي وصانع وجدان عام في مجتمع كان يعتمد على الشفاهية لنقل قيمه وهويته.”


​الوظيفة الاجتماعية: ما وراء الترفيه
​تجاوز دور الحكواتي حدود التسلية ليؤدي أدواراً بنيوية في المجتمع السوري:
​صياغة الهوية: عبر استحضار قيم الفروسية والكرم والوفاء من خلال الأبطال الشعبيين.
​التثقيف الشعبي: العمل كجسر لنقل الأخبار التاريخية الممزوجة بالخيال لمن لم تتح لهم فرصة القراءة.
​التنفيس الرمزي: في أزمنة الاضطراب، كانت الحكاية تمنح الجمهور عزاءً نفسياً عبر انتصار الخير الحتمي في نهاية السيرة.
​صراع البقاء: هل يصمد “صوت المدينة” أمام الشاشات؟
​مع غزو الإذاعة والتلفزيون للمجال العام، انحسر حضور الحكواتي التقليدي بشكل ملحوظ. ومع ذلك، لم يلفظ هذا الفن أنفاسه الأخيرة؛ إذ تشهد دمشق اليوم محاولات حثيثة لإحيائه، ليس فقط كفلكلور سياحي، بل كفعل “مقاومة ثقافية” لاستعادة الذاكرة الجمعية المهددة بالانقطاع.
​ويرى خبراء ثقافيون أن مستقبل هذا الفن يكمن في “التحديث لا الاستنساخ”، من خلال:
​تحويل السير الشعبية إلى عروض مسرحية تفاعلية.
​استثمار المنصات الرقمية لبث جلسات الحكي الحيّة للوصول للأجيال الشابة.
​دمج التقنيات البصرية الحديثة مع الحفاظ على “مركزية الراوي”.

​يبقى الحكواتي في المقاهي السورية مؤسسة ثقافية غير رسمية، ساهمت عبر الأجيال في تشكيل الوعي الجمعي. ومن أزقة دمشق إلى خانات حلب، يظل صوته يتردد كصدى لمدينة ترفض أن تنام إلا على إيقاع حكاية تذكرها بمن كانت، ومن ستكون.