مارس 2, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

الدراما التونسية تختصر المسافة بين الفن والجمهور في رمضان 2026

تظهر الصورة الممثلة التونسية ريم الرياحي (يسار) مع الممثل فتحي الهداوي (وسط) والممثلة أحلام الفقيه (يمين) في مشهد من مسلسل "براءة". المسلسل من إخراج سامي الفهري وعُرض على قناة "الحوار التونسي". أثار المسلسل جدلاً واسعاً في تونس لتناوله قضية الزواج العرفي وتعدد الزوجات. الصورة التقطها المصور الصحفي أشرف الورغامي لصالح وكالة الأنباء الفرنسية (AFP).

تونس – ميدل ايست

في منعطف لافت يعكس تحوّلًا حقيقيًا في فلسفة الإنتاج التلفزيوني، تدخل الدراما التونسية موسم رمضان 2026 برؤية مختلفة تُفضّل الكثافة على الإطالة، والجودة على الاستهلاك اليومي السريع. فقد أعلنت التلفزة التونسية عن إنتاج أربعة أعمال درامية جديدة، غالبيتها من عشر حلقات فقط، في خطوة جريئة قياسًا بالتقاليد الرمضانية التي اعتادت المسلسلات الطويلة ذات الثلاثين حلقة، وما يرافقها أحيانًا من حشو يضعف الأثر الفني.
يعكس اعتماد صيغة الحلقات القصيرة وعيًا متزايدًا بتغيّر سلوك المشاهد الرمضاني، الذي لم يعد متفرغًا كما في السابق، ولم يعد يتسامح مع التمديد المجاني أو الشخصيات التي تدور في حلقة مفرغة. في هذا القالب، يصبح كل مشهد محسوبًا، وكل حوار مطالبًا بوظيفة درامية واضحة، وكل شخصية مطالبة بمسار تطوّر دقيق لا يحتمل الترهل.
أعمال الموسم: تنوّع في الموضوعات ووحدة في الرهان
يتصدر مسلسل أركان حرب قائمة الأعمال المنتظرة بوصفه أضخم إنتاج للموسم، رغم امتداده إلى 15 حلقة فقط. العمل مستوحى من أحداث بن قردان، المحطة المفصلية في الذاكرة التونسية الحديثة، حين وجدت مدينة بأكملها نفسها في مواجهة حدث أمني استثنائي ترك بصمته العميقة على الوعي الجمعي.
المسلسل من إخراج ربيع التكالي، ونص الكاتب والأديب عمار بوجبلي، الذي يبتعد عن الخطاب التقريري أو البطولي المباشر لصالح مقاربة إنسانية تضع الفرد في قلب الحدث: أمّ تنتظر عودة ابنها، وشاب يواجه الخوف لأول مرة، ومدينة عادية تتحول فجأة إلى جبهة. تفاصيل صغيرة تمنح العمل ثقله، وتنقله من استعادة تاريخية باردة إلى تأمل في معنى الانتماء والوفاء والتضحية، مع لغة بصرية قريبة من السينما وإيقاع مشدود يوازن بين التوتر واللحظات الحميمة.
أما مسلسل الحق (10 حلقات)، فيلفت الانتباه بموضوعه المرتبط بالعدالة والقانون، وبكون آمنة النجار تتولى فيه الكتابة والإخراج والإنتاج معًا. يمنح هذا النموذج وحدة رؤية واضحة، لكنه يضع صاحبه أمام اختبار صعب: تحقيق توازن دقيق بين الطرح الفكري والبناء الدرامي، خاصة مع مشاركة أسماء ذات ثقل تمثيلي مثل وحيدة الدريدي ولسعد بن عبدالله، ما يرفع سقف التوقعات ويضع العمل تحت مجهر النقد منذ حلقاته الأولى.
في السياق الاجتماعي، يأتي مسلسل حياة (10 حلقات)، من قصة وسيناريو وحوار خولة حسني وإخراج قيس الماجري، ليغوص في الدراما الإنسانية اليومية. هنا يشكّل القالب القصير نقطة قوة حقيقية، إذ يسمح ببناء شخصيات مركّزة ومسار واضح، بعيدًا عن الاستطرادات التي أضعفت كثيرًا من الأعمال الاجتماعية في السنوات الماضية. ويبقى الرهان على الحساسية في الطرح، والاقتصاد في الخطاب، وخلق تعاطف صادق دون الوقوع في الوعظ أو الميلودراما.
ويضيف مسلسل المطبعة (10 حلقات) من إخراج مهدي الهميلي بعدًا مختلفًا للموسم، عبر الغوص في عالم الصحافة وصناعة الرأي العام. موضوع شائك يفتح باب النقد الاجتماعي والسياسي، في زمن تتداخل فيه الحقيقة بالمصالح. نجاح العمل مرهون بقدرته على تقديم شخصيات مركّبة تعكس تناقضات المهنة وضغوطها، بعيدًا عن التبسيط الأخلاقي السهل؛ فالإعلام هنا ليس بطلاً ولا شريرًا مطلقًا، بل فضاءً معقّدًا تتصارع داخله القيم والمصالح.
الكوميديا حاضرة… لكن بشروط جديدة
لا تغيب الكوميديا عن المشهد الرمضاني، إذ يجري التحضير لثلاثة سيتكومات جديدة: السكرتيرة من تأليف وجيهة الجندوبي داخل مكتب حكومي يحوّل البيروقراطية إلى سخرية ذكية، وسيتكوم عائلي تقوده سامية عمامي يستلهم المواقف اليومية، وعمل ثالث من توقيع محمد علي الشريف يمزج السخرية الاجتماعية بالموسيقى، مستلهمًا شخصيات من الحياة الشعبية.
اختبار الثقة والهوية
ستُعرض هذه الأعمال على القناتين الوطنيتين الأولى والثانية، في محاولة لتوسيع قاعدة المشاهدين واستعادة الوهج المفقود للإنتاج المحلي في مواجهة المنافسة الشرسة من القنوات الخاصة والمنصات الرقمية. وبين الطموح والتحديات—من ضيق الوقت الإنتاجي إلى جرأة النصوص—يبقى رمضان 2026 موسمًا مفصليًا واختبارًا حقيقيًا لقدرة الدراما التونسية على التجدد ومغادرة منطقة الأمان.
أربعة أعمال، مقاربات مختلفة، ورهان واحد: دراما قوية، صادقة، وقادرة على استعادة مكانتها في وجدان المشاهد.