مارس 4, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

السحلب… مشروب الشتاء الذي يوحّد الذاكرة والحنين

يعود أصل السحلب إلى جذور نبتة السحلب البرية التي تنمو في مناطق باردة ورطبة. كان القدماء يجففون جذورها ويطحنونها ليحصلوا على مسحوق ناعم يتحول عند طهيه بالحليب إلى قوام دافئ وسميك.

في ليالي الشتاء الباردة، عندما تتقلّص ساعات النهار ويبحث الناس عن دفء بسيط يعيد إلى أرواحهم الطمأنينة، يطلّ السحلب كأحد أكثر المشروبات ارتباطاً بالدفء والحنين. ليس مجرد كوب أبيض كثيف، بل طقس اجتماعي وتجربة متوارثة عبر الأجيال في بلاد الشام وتركيا ومصر، تمتزج فيها النكهات بالعاطفة.

من أين جاء السحلب؟

يعود أصل السحلب إلى جذور نبتة السحلب البرية التي تنمو في مناطق باردة ورطبة. كان القدماء يجففون جذورها ويطحنونها ليحصلوا على مسحوق ناعم يتحول عند طهيه بالحليب إلى قوام دافئ وسميك.
وبسبب ارتفاع تكلفة النبات وندرته، أصبح مسحوق السحلب الطبيعي من المواد الثمينة التي كانت تُباع في الأسواق القديمة كسلعة راقية.

السحلب في الثقافة الشعبية

لا يكاد يخلو شتاءٌ من نداء الباعة: “سحلب… سحلب دافي!”.
هذا النداء كان علامة على بداية موسم البرد في الأسواق والشوارع، فالسحلب لا يُشرب في أي وقت، بل حين تنخفض درجات الحرارة ويبدأ الناس بالتقوقع حول الدفء.

في دمشق والقاهرة وإسطنبول، يتحوّل السحلب إلى جزء من الهوية الشتوية:

يُقدَّم مع رشة قرفة.

يُزيَّن بجوز الهند والفستق الحلبي.

وفي بعض المناطق تُضاف إليه ماء الزهر أو ماء الورد ليمنحه رائحة شرقية خاصة.

فوائد السحلب الصحية

بعيداً عن كونه مشروباً شهياً، يمتلك السحلب عدة فوائد، خاصة عند تحضيره بطريقة تقليدية:

  1. يمدّ الجسم بالطاقة

السحلب غني بالنشويات، مما يجعله مناسباً لمنح الجسم دفعة من الحرارة والطاقة خلال فصل الشتاء.

  1. يهدّئ المعدة

يُستخدم السحلب تقليدياً لعلاج الاضطرابات الهضمية وتهدئة القولون، بفضل تركيبته اللزجة التي تخفّف التهيّج.

  1. يساعد على الاسترخاء

يُعتقد أن رائحة السحلب الدافئة مع القرفة وماء الزهر تساعد على تهدئة الأعصاب وتحسين المزاج.

كيف يُحضّر السحلب؟

رغم كثرة الطرق الحديثة، تبقى الوصفة الأصيلة الألذّ:

المكونات:

كوبان من الحليب

ملعقة صغيرة من مسحوق السحلب

ملعقة سكر (أو حسب الرغبة)

نصف ملعقة ماء زهر

قرفة وجوز هند وفستق للتزيين

الطريقة:

يُذوّب مسحوق السحلب بالحليب البارد أولاً حتى لا يتكتل، ثم يُرفع على نار هادئة مع التحريك المستمر حتى يغلظ القوام، ويُضاف السكر وماء الزهر في النهاية.
يُسكب في أكواب دافئة ويُزيّن حسب الذوق.

السحلب… ذاكرة لا تشيخ

قد تتغير الفصول وتتبدل العادات، لكن السحلب يبقى حاضراً كجزء من طقوس الشتاء، يربط ما بين الأمهات اللواتي ينتظرن غليانه في المطابخ، والأطفال الذين يتسابقون لتذوقه، والجدّات اللواتي يُصررن على إضافته كدواء دافئ للروح والجسد.

إنه مشروب يختصر الدفء والبيت والحنين… في كوب واحد.