تؤثر عوامل عديدة في متوسط عمر الإنسان، من بينها النظام الغذائي، وممارسة الرياضة، والتدخين، واستهلاك الكحول، والبيئة المحيطة، إضافة إلى متغيرات أخرى. غير أن دور العوامل الوراثية ظل موضع جدل علمي واسع لعقود طويلة.
دراسة حديثة أعادت فتح هذا الملف، وخلصت إلى أن العوامل الوراثية تسهم بنسبة أكبر بكثير مما كان يُعتقد سابقًا في تحديد عمر الإنسان، إذ قد تصل مساهمتها إلى نحو 50 في المئة من مجمل التباين في الأعمار، أي ضعف التقديرات التي توصلت إليها دراسات سابقة.
مراجعة دراسات التوائم
اعتمد الباحثون في دراستهم على تحليل موسّع لبيانات توائم، خصوصًا من السويد والدنمارك، يعود تاريخ بعضها إلى القرن التاسع عشر. وأظهرت المراجعة أن هذه الدراسات أغفلت عاملًا مهمًا، هو الوفاة بمسببات خارجية، مثل الحوادث، والعنف، والأمراض المعدية، وهي عوامل لا ترتبط بالتركيبة الوراثية للفرد.
ففي تلك الفترات، وقبل ظهور المضادات الحيوية، كانت الأمراض المعدية سببًا شائعًا للوفاة في سن مبكرة، ما أدى إلى تشويه نتائج الدراسات القديمة، وإعطاء انطباع خاطئ بأن الجينات تلعب دورًا محدودًا في طول العمر.
تصحيح «العامل المربك»
استخدم الباحثون نموذجًا رياضيًا جديدًا لاحتساب أثر الوفيات الخارجية على نتائج دراسات التوائم، ثم اختبروا صحة هذا النموذج باستخدام بيانات حديثة من السويد لم تُحلل من قبل، شملت توائم تربوا معًا وآخرين تربوا في بيئات مختلفة.
وأظهرت النتائج أن انخفاض معدل الوفيات الناتجة عن أسباب خارجية يؤدي إلى بروز التأثير الوراثي بشكل أوضح، ما يؤكد أن الجينات كانت تلعب دورًا أكبر، لكنه ظل مخفيًا بسبب «تشوش» البيانات.
الوراثة والبيئة: تفاعل معقّد
يوضح الباحثون أن دراسة التوائم المتطابقة الذين تربوا منفصلين تساعد على الفصل بين تأثير الوراثة والبيئة، إذ يتشاركون الجينات نفسها دون أن يتقاسموا الظروف المعيشية ذاتها. كما أن التوائم غير المتطابقة يظلون عنصرًا مهمًا في هذه الأبحاث، نظرًا لتشاركهم نحو نصف تركيبتهم الوراثية.
ويشير الفريق العلمي إلى أن الدراسات السابقة استخدمت أدوات إحصائية مناسبة لسمات مثل الطول وضغط الدم وسمات الشخصية، لكنها لم تكن ملائمة لمتوسط العمر، لأنه السمة الوحيدة التي تتأثر بقوة بالوفاة العرضية والخارجية.
آثار محتملة على أبحاث الشيخوخة
يرجّح الباحثون أن التقليل من شأن العامل الوراثي في الماضي ربما أثّر سلبًا في تمويل أبحاث الشيخوخة، باعتبارها ظاهرة عشوائية أو بيئية إلى حد كبير. إلا أن النتائج الجديدة تؤكد أن للوراثة دورًا جوهريًا في طول العمر، وأن الإشارة الوراثية كانت موجودة لكنها محجوبة.
جينات تُقصّر العمر وأخرى تطيله
تؤثر العوامل الوراثية في العمر في اتجاهين متعاكسين؛ فبعض العيوب الجينية قد تؤدي إلى أمراض خطيرة تُقصّر العمر، في حين يبدو أن هناك عوامل وراثية واقية تفسّر لماذا يصل بعض الأشخاص إلى سن المئة دون الإصابة بأمراض مزمنة خطيرة.
ويؤكد الباحثون أن طول العمر، بوصفه سمة معقدة، لا تحكمه جينات قليلة، بل مئات، وربما آلاف، العوامل الوراثية المتداخلة.
دراسة علمية: العوامل الوراثية تلعب دورًا أكبر في تحديد عمر الإنسان
مشهد من الحياة اليومية في مدينة كبرى… تفاعل معقّد بين نمط الحياة والبيئة والعوامل الوراثية في تحديد متوسط عمر الإنسان.

More Stories
الربو في الربيع… كيف نحمي الجهاز التنفسي في موسم حبوب اللقاح؟
روبوتات راقصة تكسر عزلة المسنين في برشلونة
الصيام والصحة: من يستفيد ومن يحتاج إلى الحذر؟