مارس 2, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

فينيسيا… المدينة التي تُبحر على الماء

في فصل الشتاء، فتتحول المدينة إلى لوحة حالمة يغلفها الضباب والرطوبة، بينما يكون الصيف (يوليو–أغسطس) مزدحمًا بالسياح وتعلو فيه الأسعار، وإن كانت الأجواء الاحتفالية تبلغ ذروتها آنذاك.

خاص-جوليا دومنا برس

فينيسيا، أو البندقية كما يعرفها العرب، ليست مجرد مدينة إيطالية عادية؛ إنها تحفة مائية فريدة تسبح على صفحة البحر الأدرياتيكي، وتُجسد تزاوج الجمال بين الإنسان والطبيعة. كل حجر فيها يحمل حكاية، وكل قناة مائية فيها تشبه شريانًا ينبض بالفن والحياة.


مدينة وُلدت من البحر

تأسست فينيسيا في القرن الخامس الميلادي حين لجأ السكان إلى جزر صغيرة في بحيرة فينيتو هربًا من الغزوات البربرية. ومع مرور الزمن، تحولت تلك الجزر إلى مدينة مزدهرة، فأسست جمهورية البندقية التي كانت يومًا من أقوى القوى البحرية في العالم.

تتكوّن المدينة من أكثر من 118 جزيرة متصلة بـ 400 جسر تقريبًا، وتشطرها 150 قناة، أشهرها القناة الكبرى (Grand Canal) التي تقطع المدينة في خط متعرج كأفعى من الزمرد.


متحف مفتوح على ضفاف الماء

فينيسيا هي تحفة معمارية مفتوحة، لا تحتاج إلى دليل سياحي بقدر ما تحتاج إلى قلبٍ مندهش.
في ميدان سان ماركو (Piazza San Marco)، يلتقي الزمان والمكان: الكاتدرائية الذهبية بقبابها البيزنطية، برج الجرس الذي يمنح إطلالة ساحرة على المدينة، وقصر الدوق الذي كان مقر الحكم في أوج مجد الجمهورية الفينيسية.

ومن هناك يمكن الانطلاق في جولة على متن الغوندولا، القارب الفينيسي التقليدي، الذي ينزلق بهدوء بين القنوات الضيقة، بينما تُعانق النوافذ المائية انعكاسات الغروب.


عالم من الفنون والجمال

يُعد معرض الأكاديمية (Galleria dell’Accademia) من أهم المتاحف في إيطاليا، ويضم أعمال كبار الرسامين مثل تيتيان وتينتوريتو وجيوفاني بيلليني. أما متحف بيغي غوغنهايم المطل على القناة الكبرى، فيحتضن مجموعة نادرة من روائع الفن الحديث لبيكاسو وميرو ودالي وكاندينسكي.

ولا يمكن تجاهل كنيسة سانتا ماريا ديلا سالوتي ذات القبة البيضاء، التي تُعد من أجمل الكنائس في أوروبا، وتُطلّ بفخامة على مدخل القناة الكبرى كأنها تحرس المدينة من الغرق.


أفضل الأوقات لزيارة فينيسيا

تُعتبر فصلا الربيع (أبريل–يونيو) والخريف (سبتمبر–أكتوبر) أفضل أوقات العام لزيارة فينيسيا، حين تكون درجات الحرارة معتدلة والزحام أقل. في هذه المواسم، يمكن للزائر الاستمتاع بالمشي بين الأزقة الهادئة أو تناول القهوة على رصيف سان ماركو دون ازدحام.

أما في فصل الشتاء، فتتحول المدينة إلى لوحة حالمة يغلفها الضباب والرطوبة، بينما يكون الصيف (يوليو–أغسطس) مزدحمًا بالسياح وتعلو فيه الأسعار، وإن كانت الأجواء الاحتفالية تبلغ ذروتها آنذاك.


مهرجانات فينيسيا… بهجة الألوان والأقنعة

فينيسيا مدينة تحتفل بالحياة طوال العام، ومن أبرز فعالياتها:

كرنفال فينيسيا (Venice Carnival)

من أشهر المهرجانات في العالم، يُقام في فبراير من كل عام، حيث تملأ الأقنعة الملونة والملابس التاريخية الشوارع والساحات، فتبدو المدينة كأنها عادت إلى القرن الثامن عشر.
الكرنفال ليس مجرد احتفال، بل طقس جمالي عريق يعبّر عن حرية الروح وانتصار الخيال.

مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي

يُقام في أواخر أغسطس وبداية سبتمبر على جزيرة الليدو، ويُعد من أعرق المهرجانات السينمائية في العالم (تأسس عام 1932).
هو المكان الذي تُعرض فيه أفلام كبار المخرجين وتُمنح فيه جائزة الأسد الذهبي لأفضل فيلم.

سباق القوارب التاريخي (Regata Storica)

يُقام في الأحد الأول من سبتمبر، وهو احتفال بحري استعراضي يعود إلى القرن السادس عشر، حيث تسير القوارب المزخرفة في القناة الكبرى وسط تشجيع آلاف المشاهدين.

مهرجان الموسيقى الكلاسيكية (La Fenice & Biennale Musica)

تُقام عروض موسيقية مدهشة في دار الأوبرا لا فينيتشي (Teatro La Fenice)، التي شهدت عروضًا لأشهر المؤلفين الموسيقيين مثل فيردي وروسيني.


تجارب لا تُنسى

زيارة جزيرة مورانو المشهورة بصناعة الزجاج اليدوي منذ القرن الثالث عشر.

التجول في جزيرة بورانو ذات البيوت الملونة الزاهية التي تشبه لوحة طفلٍ يلهو بالألوان.

اكتشاف جزيرة تورشيللو الهادئة، التي كانت مهد المدينة قبل أن ينتقل سكانها إلى الجزر الأخرى.

تذوق الأطباق البحرية الطازجة مثل الريزوتو الأسود بالحبار والسردين على الطريقة الفينيسية.


فينيسيا… بين الغرق والبقاء

رغم عظمتها، تواجه فينيسيا خطر الغرق نتيجة ارتفاع منسوب المياه وتغير المناخ. مشروع “MOSE” الذي أطلقته الحكومة الإيطالية يهدف إلى حماية المدينة من الفيضانات من خلال سلسلة بوابات هندسية ضخمة تتحكم في مياه البحر.

ورغم التحديات، تبقى فينيسيا رمزًا للدهشة الإنسانية، مدينة لا تشيخ، تسبح بين الحلم والواقع، وتذكّر زائريها دائمًا أن الفن يمكنه أن يُقيم مملكة على الماء.


فينيسيا ليست مجرد وجهة سياحية، بل تجربة روحية وجمالية. كل من يزورها يعود مختلفًا، كمن خرج لتوه من لوحة فنية تحيا فيها الألوان والموسيقى والماء بتناغم أبدي.
هي المدينة التي تُعلمك أن الجمال لا يحتاج إلى صخب، بل إلى صمتٍ مبللٍ بالدهشة.