مارس 2, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

كثافة تزوير البيانات الشخصية تهدد الهوية الوطنية في ليبيا

طرابلس – وكالات

تواجه ليبيا واحدة من أخطر التحديات المرتبطة بأمنها السيادي، مع تصاعد عمليات تزوير بيانات الأحوال الشخصية، ما أفضى إلى إدراج أجانب ضمن السجلات الرسمية ومنحهم أرقامًا وطنية مكّنتهم من التمتع بحقوق متولدة عن المواطنة، تشمل جوازات السفر والمرتبات والمنح الاجتماعية.
وأظهرت تحقيقات مكتب النائب العام أن عام 2025 شهد ذروة هذه العمليات، عبر تحريف القيود العائلية واستغلال بيانات متوفين أو منقطعي الأخبار، في عدة مدن بشرق البلاد وغربها وجنوبها، بغضّ النظر عن الجهة المسيطرة. وفي أحدث القضايا، أمرت النيابة بحبس موظف في مكتب السجل المدني أولاد علي احتياطيًا على ذمة التحقيق، بعد ثبوت تورطه في تزوير قيود أحوال مدنية.


أرقام وطنية مزوّرة وحقوق مواطنة
وكشفت لجان التحقيق في نيابة ترهونة الابتدائية عن حصول 11 أجنبيًا على أرقام وطنية بالمخالفة للقانون، في إخلال مباشر بضوابط القيد والتسجيل. وقررت سلطة التحقيق وقف العمل بالأرقام محل الشبهة، ومراجعة جميع المستخرجات الإدارية المبنية عليها، ضمانًا لسلامة الإجراءات ومنع التأثير على سير التحقيقات.
وأكدت النيابة أن هذه القضايا تمسّ الحقوق السيادية المرتبطة بالجنسية والمواطنة، لما لها من أثر مباشر على الأمن القانوني والإداري للدولة، وسط مطالبات برلمانية بإنزال أشد العقوبات بحق المتورطين.

صورة تعبيرية – تزوير البيانات يهدد منظومات الهوية والأمن القانوني للدولة.
صورة تعبيرية – تزوير البيانات يهدد منظومات الهوية والأمن القانوني للدولة.
صورة تعبيرية – تُستخدم لأغراض صحفية توضيحية ولا تمثل وثائق حقيقية أو بيانات أشخاص فعليين.
صورة تعبيرية – تُستخدم لأغراض صحفية توضيحية ولا تمثل وثائق حقيقية أو بيانات أشخاص فعليين.


إصلاحات حكومية ورقابة قضائية
في المقابل، أطلقت السلطات في طرابلس حزمة إصلاحات تشمل مطابقة السجل الورقي بالرقمي، وإصدار بطاقة هوية وجواز سفر إلكترونيين، وإنشاء منظومات متقدمة لحماية البيانات تحت إشراف قضائي مباشر. وكان النائب العام قد أعلن، في مايو 2023، تشكيل لجان تضم 160 عضو نيابة لفحص منظومة السجل المدني على مستوى البلاد.
كما أعلنت وزارة الداخلية المكلّفة اعتماد مشروع لمطابقة منظومة الأرقام الوطنية بالسجل الورقي، بالتعاون مع مكتب النائب العام، مع خطة لإصدار آلاف الجوازات الإلكترونية يوميًا وإنشاء مركزين للسجل الوطني، أحدهما احتياطي يُلجأ إليه عند الاشتباه بالتزوير.

مدن متضررة وأرقام صادمة
طالت وقائع التزوير مكاتب سجل مدني في مدن عدة، من بينها طرابلس، مصراتة، بنغازي، سرت، سبها، المرج، طبرق، تاجوراء، صرمان، الجفارة.
في مصراتة: كشف تزوير قيود عائلية مكّن 326 شخصًا من أرقام وطنية غير مشروعة.
في سبها: تورط موظفون في تزوير مئات الوثائق مقابل مبالغ مالية.
في سرت: استخراج نحو 600 رقم وطني لأجانب، إضافة إلى تمكين أكثر من 130 شخصًا من حقوق المواطنة.
في بنغازي وطبرق: إنشاء “أسر كاملة” على الورق استُخدمت بياناتها للتوظيف وصرف المرتبات واستخراج الجوازات، ما شكّل استنزافًا واسعًا للمال العام.
وبحسب بيانات رسمية، جرى فحص أكثر من 10 آلاف أسرة وتدقيق نحو 7 آلاف حالة انتماء، مع شطب مئات الأرقام الوطنية في مرحلة أولى، وتحريك آلاف الدعاوى الجنائية وحبس عشرات المتهمين، وسط تقديرات بوجود عشرات الآلاف من الأرقام غير الصحيحة التي صُرفت عبرها مئات الملايين من الدنانير دون وجه حق.


تشير الوقائع إلى أن معالجة هذا الملف ما تزال في بدايتها، وأن نجاحها مرهون باستمرار التدقيق والملاحقة دون استثناء، وتعزيز الرقابة المؤسسية، وتحصين منظومة السجل المدني إلكترونيًا، بما يحفظ الهوية الوطنية ويحمي الحقوق السيادية للدولة.