مارس 2, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

«مُخبرون ومُخبرون»… حين تُفتح خزائن البوليس السري الإنجليزي في مصر

يستهل المؤلف عمله بتأكيد دلالة الموضوع، معتبرًا أن دراسة الأمن السري «ضرورة لفهم تعقيدات علاقة الحاكم بالمحكوم، وتحولات السلوك الإنساني تحت ضغط السلطة أو خوفها.

القاهرة –
قلّما تقترب الكتب البحثية من عالم الأجهزة الأمنية، لا سيما حين يتعلق الأمر بتاريخٍ ما زالت ظلاله السياسية والأخلاقية حاضرة. غير أن الباحث والكاتب المصري مصطفى عبيد اختار خوض هذه المنطقة الشائكة، كاشفًا جانبًا مسكوتًا عنه من تاريخ مصر الحديث، في كتابه مُخبرون ومُخبرون، الصادر عن الدار المصرية اللبنانية في القاهرة.
الكتاب، الواقع في 254 صفحة، لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يسعى إلى تفكيك بنية البوليس السري في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين، إبان الاحتلال البريطاني، عبر قراءة تحليلية مدعومة بوثائق أرشيفية ومذكرات وشهادات نادرة. ويستهل المؤلف عمله بتأكيد دلالة الموضوع، معتبرًا أن دراسة الأمن السري «ضرورة لفهم تعقيدات علاقة الحاكم بالمحكوم، وتحولات السلوك الإنساني تحت ضغط السلطة أو خوفها».
من الجذور إلى اللحظة المفصلية
يمهّد عبيد لعمله باستعراض نشأة النظام الأمني في مصر منذ العصر العباسي، مرورًا بعهد محمد علي باشا وخلفائه، وصولًا إلى الخديوي إسماعيل، الذي شهدت البلاد في عهده محاولات تحديث مؤسسية للأجهزة الأمنية، عبر إنشاء بوليس حديث في القاهرة والإسكندرية عام 1866 بمساعدة ضباط أوروبيين.
غير أن نقطة التحول الحاسمة، كما يوضح الكتاب، جاءت مع اغتيال رئيس الوزراء المصري بطرس باشا غالي عام 1910 على يد إبراهيم الورداني. تلك الواقعة، بما أثارته من تعاطف شعبي وغضب مكبوت، دفعت سلطات الاحتلال إلى التسريع في إنشاء جهاز بوليس سياسي سري قادر على التنبؤ بالتحركات الوطنية ومراقبة الخلايا السرية المتنامية.
وجوه السلطة الخفية
ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى رسم بورتريهات دقيقة للشخصيات التي تعاقبت على إدارة البوليس السري، بدءًا من جورج فليبيدس، أول من تولى رئاسة «المكتب المخصوص للأمن السياسي»، مرورًا بجوزيف وليام مكفرسون، وألكسندر إنجرام، الذي أشرف على التحقيق في اغتيال السير لي ستاك عام 1924، وصولًا إلى ألكسندر كيون بويد، ثم سليم زكي، أول مصري يتقلد هذا المنصب الحساس.
ولا تتوقف المعالجة عند السير الذاتية، بل تتعمق في أساليب العمل الأمني: طرق التجنيد، شبكات المخبرين، وسائل الترهيب والإغراء، وأساليب التحقيق وانتزاع الاعترافات، ما يفتح نافذة كاشفة على البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع المصري آنذاك، ولكن من منظور رجال الأمن الغربيين هذه المرة.
الخيانة بوصفها نموذجًا
ومن أكثر فصول الكتاب إثارة، الفصل المخصص لشخصية نجيب الهلباوي، الذي يقدم له المؤلف قراءة نقدية تحت عنوان «فدائي انقلب خائنًا»، موثقًا دوره في الإيقاع بأحد أكبر التنظيمات الفدائية السرية خلال الاحتلال، في مثال صارخ على التحولات الأخلاقية التي صنعتها لعبة السلطة والخوف.
مغامرة في أرشيف الظلال
يلخّص مصطفى عبيد تجربته البحثية، التي استغرقت أكثر من عام، بوصفها رحلة تنقيب في «الأزقة الخلفية للتاريخ»، حيث أعاد قراءة ما بين السطور، واستخرج من الهوامش قصصًا لم تُروَ من قبل. وقد جاء الكتاب في سبعة فصول، مرفقة بقسم خاص بالمراجع والمصادر والصور، معتمدًا على عشرات الوثائق البريطانية والمقالات الصحفية والمذكرات الشخصية.
في المحصلة، يقدم «مُخبرون ومُخبرون» مادة معرفية ثرية عن ملف بالغ الحساسية، قلّما تجرأ الباحثون على الاقتراب منه، جامعًا بين السرد التاريخي والتحليل النقدي، وإن لم يخلُ أحيانًا من انطباعات شخصية، تبقى جزءًا من مغامرة بحثية واعية في تاريخ السلطة والظل.