غيب الموت المثقف العراقي لبيد رشيد بكتاش، المعروف بلقبه الشهير «أبو حالوب»، أحد أبرز وجوه المقاهي الثقافية في العاصمة السورية دمشق، بعد حياة ارتبطت لعقود بمقهى الروضة وذاكرة المثقفين العراقيين والعرب في المنفى.
وأعلنت صفحات ومواقع ثقافية عراقية رحيل بكتاش، من دون الكشف عن تفاصيل دقيقة بشأن سبب الوفاة أو مكانها، لتنتهي بذلك سيرة رجل لم يكن كاتبًا تقليديًا أو صاحب منصب رسمي، لكنه أصبح واحدًا من أشهر الرموز الاجتماعية والثقافية المرتبطة بالمقهى الدمشقي.
من بغداد إلى دمشق
ولد لبيد رشيد بكتاش في بغداد عام 1958، وغادر العراق في منتصف سبعينيات القرن الماضي، في مرحلة شهدت اضطرابات سياسية دفعت كثيرًا من المثقفين والمعارضين العراقيين إلى المنافي.
وبحسب ما كُتب عنه، خرج بكتاش من بغداد عام 1975، وتنقل في عدد من البلدان قبل أن يستقر في دمشق، التي أصبحت موطنه الثاني ومحطة طويلة من حياته. وفي العاصمة السورية وجد مكانه الدائم في مقهى الروضة الواقع في شارع العابد بمنطقة الصالحية، وهو أحد أشهر المقاهي الثقافية في المدينة.
ومنذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، تحول حضوره في المقهى إلى جزء ثابت من تفاصيله اليومية، حتى بدا لكثير من رواده أن «أبو حالوب» لا يزور المقهى، بل يسكنه ويشكّل أحد معالمه.
طاولتان للصباح والمساء
كان «أبو حالوب» يحضر إلى مقهى الروضة منذ ساعات الصباح، حاملاً الصحف، ويجلس إلى طاولته المعروفة قرب مدخل المقهى. وكان يغادر لفترة قصيرة لتناول الغداء، قبل أن يعود إلى طاولة أخرى اختارها لجلساته المسائية، ويظل فيها حتى ساعة متأخرة من الليل.
وتناولت تقارير صحفية حياته داخل المقهى، مشيرة إلى أنه أمضى نحو أربعة عقود متنقلاً بين طاولتيه الصباحية والمسائية، يستقبل الأصدقاء والكتّاب والشعراء والفنانين والقادمين من العراق ومن مختلف المنافي.
ومع مرور السنوات، لم يعد مجرد زبون دائم، بل أصبح أشبه بأرشيف حي للمثقفين العراقيين، يعرف أخبارهم وعناوينهم ومسارات غربتهم، ويساعد القادمين الجدد في الوصول إلى أقاربهم أو العثور على سكن أو التعرف إلى الوسط الثقافي والاجتماعي في دمشق.
«سفير العراق» في مقهى الروضة
أطلق عليه أصدقاؤه ورواد المقهى أوصافًا عديدة، من بينها «سفير العراق الدائم في مقهى الروضة» و«قنصل العراقيين في المنفى»، إذ تحولت طاولته إلى نقطة لقاء غير رسمية للعراقيين الوافدين إلى دمشق.
وكان الزائر العراقي يعرف أن بإمكانه العثور عند «أبو حالوب» على خبر عن صديق غائب، أو عنوان شاعر، أو رقم هاتف فنان، أو حكاية عن أحد رموز الثقافة العراقية الذين توزعوا بين العواصم.
وتحولت طاولته، وفق ما كتبه صحفيون وأدباء، إلى ما يشبه «سفارة عراقية شعبية»، لا تحتاج إلى أوراق رسمية أو مواعيد مسبقة، بل إلى مقعد فارغ وكأس شاي وحكاية تبدأ غالبًا من بغداد ولا تنتهي إلا عند إحدى مدن المنفى.
ذاكرة الشعراء والمنفيين
عرف «أبو حالوب» عددًا كبيرًا من الشعراء والمثقفين العراقيين والعرب، وارتبط اسمه بذكريات عن الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري، الذي قيل إنه كتب فيه أبياتًا شعرية عندما كان لبيد طفلاً برفقة والده.
كما ارتبطت طاولته بأسماء بارزة في الثقافة العراقية، من بينها عبد الوهاب البياتي ومظفر النواب وسعدي يوسف، وغيرهم من الشعراء والكتاب الذين مروا بدمشق أو عاشوا فيها خلال سنوات المنفى.
ولم تكن أهمية «أبو حالوب» نابعة من إنتاج أدبي منشور بقدر ما كانت متصلة بقدرته على حفظ الحكايات والوجوه والأسماء، واستحضار تاريخ طويل من العلاقات الثقافية والإنسانية التي تشكلت خارج العراق.
كان شاهدًا على أجيال من المنفيين، وعلى تحولات دمشق ومقاهيها، وعلى زمن كانت فيه المقاهي بمثابة صحف مفتوحة ومنتديات يومية يتبادل فيها المثقفون الأخبار والآراء والقصائد والمخطوطات.
حكاية اللقب الغريب
اشتهر لبيد بكتاش بلقب «أبو حالوب»، وهو لقب اختاره لنفسه وظل ملازمًا له حتى طغى على اسمه الحقيقي.
وتشير كتابات تناولت سيرته إلى أن كلمة «الحالوب» تُستخدم في اللهجة العراقية للدلالة على البَرَد أو حباته المتساقطة من السماء، فيما ربط بعض أصدقائه اللقب بسنوات عاشها بكتاش في بلدان شديدة البرودة قبل استقراره في دمشق.
ومهما يكن أصل اللقب، فقد تحول «أبو حالوب» إلى اسم مستقل له حضوره ودلالته، حتى إن عددًا كبيرًا من رواد مقاهي دمشق كانوا يعرفونه بلقبه من دون أن يعرفوا اسمه الكامل.
مزاج بغدادي في قلب دمشق
حافظ «أبو حالوب» طوال سنواته في دمشق على لهجته العراقية ومزاجه البغدادي، وكان يستعيد من خلال أحاديثه وحكاياته أسماء شوارع بغداد ومقاهيها وشعرائها ومغنيها.
ووصفه من كتبوا عنه بأنه اختصر في شخصيته جانبًا من صورة العراقي المنفي الذي يحمل وطنه معه أينما ذهب، ويعيد بناءه في جلسة أو قصيدة أو استكان شاي.
وكان حضوره اليومي في مقهى الروضة يمنح المكان نكهة عراقية واضحة، خصوصًا خلال السنوات التي استقبلت فيها دمشق أعدادًا كبيرة من العراقيين، فتحولت طاولته إلى محطة تجمع بينهم وبين المثقفين السوريين والعرب.
وبمرور الوقت، صار جزءًا من تاريخ المقهى نفسه، مثل كراسيه الخشبية وصوره القديمة ورواده الدائمين. ووصفته إحدى الكتابات بأنه لم يكن مجرد زبون، بل «ديمومة غامضة» لا يمكن فصلها عن المكان.
العودة إلى العراق
بعد أكثر من ثلاثة عقود قضاها في دمشق، عاد «أبو حالوب» إلى العراق، واضعًا حدًا لفصل طويل من حياته ارتبط بالمنفى ومقهى الروضة.
وكانت عودته حدثًا لافتًا بين أصدقائه، إذ ظل طوال سنوات يكرر أن العراق لا يزال بلد الحروب والتصفيات، وأن قرار العودة يحتاج إلى زمن طويل. لكنه عاد في نهاية المطاف بعدما أنهكته سنوات الغربة وتبدلت الظروف من حوله.
وظلت صورته في مقهى الروضة حاضرة بعد رحيله عنه: رجل نحيل يجلس في مكانه المعتاد، أمامه الصحيفة وكأس الشاي، وحوله وجوه تتغير فيما يبقى هو ثابتًا، يحفظ أسماء العابرين وحكاياتهم.
رحيل شاهد على زمن المقاهي
برحيل لبيد رشيد بكتاش، يفقد الوسط الثقافي العراقي والعربي شاهدًا على مرحلة امتدت لنحو نصف قرن من الهجرة والمنفى واللقاءات الثقافية العابرة للحدود.
ويغيب «أبو حالوب» بعدما أصبح اسمه جزءًا من ذاكرة مقاهي دمشق، ولا سيما مقهى الروضة، الذي احتضن كتّابًا وصحفيين وفنانين وسياسيين، وشهد نقاشات وتحولات كثيرة في الحياة الثقافية السورية والعربية.
لم يحمل الرجل لقبًا رسميًا، ولم يؤسس مؤسسة ثقافية، لكنه صنع من طاولته مؤسسة صغيرة، ومن حضوره اليومي أرشيفًا، ومن ذاكرته عنوانًا للعراقيين الذين مروا بدمشق.
ويرحل «أبو حالوب» تاركًا وراءه حكاية رجل غادر بغداد شابًا، فعاش عمرًا كاملاً بين المنافي، قبل أن يتحول إلى واحد من أشهر وجوه دمشق الثقافية، ورمزٍ لجيل حمل وطنه في ذاكرته، وظل ينتظر العودة على طاولة مقهى.
رحيل العراقي «أبو حالوب».. أشهر رواد مقاهي دمشق وذاكرة المنفى الثقافي
رحل «أبو حالوب»، وبقيت طاولته في مقهى الروضة شاهدة على رجل حوّل غربته إلى ذاكرة للعراقيين وملتقى للمثقفين في قلب دمشق.

More Stories
مهرجان جرش يوقد شعلته الأربعين احتفاءً بأربعة عقود من الإبداع
فتح باب المشاركة في جائزة سعاد الصباح للثقافة والإبداع 2027..
إي. جين كارول تتسلم 5.63 مليون دولار من ترامب تنفيذاً لحكم قضائي في قضية الاعتداء الجنسي