بقلم: رئيس التحرير
ليس التذاكي خطأً لغويًا ولا زلّة في التعبير، بل افتراض ذهني عميق، يقوم على الاعتقاد بأن الوعي الإنساني قابل للاستغباء، وأن الآخر أقلّ انتباهًا مما هو عليه في الحقيقة.
هو ليس ذكاءً، وإن تشابهت الأدوات، بل انزلاق أخلاقي في استخدام العقل، حين يتحوّل من أفق للفهم إلى وسيلة للتمويه.
المتذاكي لا يبحث عن الحقيقة، بل عن إدارة الانطباع. يرتدي أقنعة الذكاء وهو مطمئن إلى أنها لا تُرى، ويستخدم اللغة، والمصطلح، ونصف الفكرة، لا بدافع الدقة، بل بدافع الإفلات. يقدّم المعرفة مجتزأة، لا لأنها ناقصة، بل لأن اكتمالها قد يضعه في مواجهة لا يرغب بها. وفي هذا السلوك، لا يعود الذكاء أداة كشف، بل قناع حماية.
غير أن هذا القناع لا يصنعه فائض ثقة، بل فائض خوف. خوف من السؤال المباشر، من الوقوف بلا وسائط لغوية، من لحظة لا تنفع فيها البلاغة ولا يُجدي فيها الغموض. وحين يعجز الإنسان عن مواجهة الأسئلة، يلجأ إلى تصغير من يسأل، وكأن إضعاف الآخر يمنحه قوة مؤقتة.
استغباء الآخر، في هذا السياق، ليس حادثة تواصل عابرة، بل موقف ذهني وأخلاقي. افتراض بأن الفهم يُقاس بما يُقال لا بما يُلتقط، وبأن الوعي لا يرى إلا السطح. غير أن الوعي الإنساني أكثر تعقيدًا من ذلك؛ قد يصمت، وقد يؤجّل المواجهة، وقد يترك للزمن مهمة الكشف، لكنه نادرًا ما يُخدع على المدى الطويل.
المفارقة الجوهرية أن المتذاكي يخلط بين الذكاء والنجاة. يحسب أن قدرته على تمرير مصلحة، أو الالتفاف على موقف، أو إحكام لعبة لغوية، دليل على عمق فهمه. غير مدركٍ أن النجاة ليست معرفة، وأن الإفلات ليس برهانًا على التفوّق، بل أحيانًا علامة على هشاشة لم تُختبر بعد.
فالأقنعة، مهما بدت متقنة، ليست محايدة. هي تُستهلَك مع كل استخدام، وتفرض على صاحبها يقظة دائمة، ومراوغة مستمرة، وخوفًا دائمًا من الانكشاف. ومع الزمن، يتحوّل القناع من وسيلة حماية إلى عبء وجودي، لأن الاستمرار في التمثيل أكثر إنهاكًا من قول الحقيقة.
في المقابل، الذكاء الحقيقي لا يحتاج إلى استعراض ولا إلى أقنعة. هو هادئ، واضح، لا يخشى أن يقول: «لا أعرف»، ولا يرى في السؤال تهديدًا، ولا في الاختلاف انتقاصًا. ذكاء يُمارَس بوصفه علاقة لا سلطة، وحوارًا لا هيمنة، واعترافًا متبادلًا بالندية الإنسانية.
وحين تتشابك المعرفة مع السلطة، يتحوّل التذاكي من سلوك فردي إلى بنية عامة. تُستخدم اللغة لتكريس الهيمنة لا للإيضاح، ويُقدَّم الغموض بوصفه عمقًا، والالتفاف بوصفه مهارة. هنا لا يُستهدف فرد بعينه، بل يُصاب الوعي الجمعي في جوهره.
لكن الزمن، بوصفه أصدق المحكّات، لا ينحاز للأقنعة. ما يُبنى على التذاكي ينهار عند أول اختبار حقيقي، وما يُبنى على الاحترام يمتلك قابلية الاستمرار، حتى إن تعثّر.
في النهاية، لا يُقاس الذكاء بقدرتنا على تمرير مصالحنا، بل بقدرتنا على الوقوف بلا أقنعة، ومخاطبة الآخر بوصفه وعيًا مكافئًا لا مادةً للاستخدام.
هناك، فقط، يبدأ الذكاء… وينتهي التذاكي.

More Stories
رمضان… موسم الطمأنينة والضياء
حريق وإخلاء مبنى سكني ليلة رأس السنة في روتردام
جوليا دومنا برس تستقبل 2026 برؤية ثقافية متجددة