أكتوبر 19, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

أوترخت تتوّج عاصمة عالمية للدراجات.. مدينة أعادت رسم شوارعها حول الإنسان

أوتريخت الهولندية تتربع على عرش المدن الأكثر ملاءمة للدراجات في العالم، متفوقة على كوبنهاغن.

في عدد من دول العالم، لم تعد الدراجة الهوائية وسيلة للترفيه أو ممارسة الرياضة فحسب، بل تحولت إلى جزء أساسي من الحياة اليومية ومنظومة النقل. وتأتي هولندا والدنمارك في مقدمة الدول التي رسخت ثقافة ركوب الدراجات، إلى جانب ألمانيا وبلجيكا وفنلندا والسويد، حيث تساعد البنية التحتية الآمنة والتخطيط الحضري المتوازن على استخدامها في الذهاب إلى العمل والمدارس والجامعات.
وتتميز هولندا بصورة خاصة بحضور الدراجة في تفاصيل الحياة اليومية؛ فهناك مسارات منفصلة، وإشارات مرور خاصة بالدراجات، ومواقف واسعة وآمنة، إضافة إلى إمكانية الجمع بسهولة بين ركوب الدراجة واستخدام القطارات ووسائل النقل العام. لذلك لا ترتبط الدراجة في المجتمع الهولندي بفئة عمرية أو اجتماعية محددة، بل يستخدمها الأطفال والطلاب والموظفون وكبار السن على حد سواء.
ومن بين المدن الهولندية التي نجحت في تحويل الدراجة إلى محور للتخطيط الحضري، برزت مدينة أوترخت التي انتزعت المركز الأول عالميًا في مؤشر كوبنهاغن للدراجات لعام 2025، متفوقة بفارق ضئيل على العاصمة الدنماركية كوبنهاغن، التي ارتبط اسم المؤشر بها وظلت لسنوات نموذجًا عالميًا في هذا المجال.
وحصلت أوترخت على 71.1 نقطة، مقابل 70.8 نقطة لكوبنهاغن، فيما جاءت مدينة غِنت البلجيكية في المركز الثالث، تلتها أمستردام ثم باريس. وشمل التصنيف 100 مدينة في 44 دولة، واستند إلى 13 مؤشرًا موزعة على ثلاثة محاور رئيسية: سلامة البنية التحتية وترابطها، وانتشار استخدام الدراجات، والسياسات والدعم المخصصان لها.
أكثر من مجرد مسارات للدراجات
لم تصل أوترخت إلى الصدارة بسبب كثرة المسارات وحدها، بل لأنها أعادت التفكير في طريقة عمل المدينة بأكملها. فقد وضعت الدراجة في قلب خطط النقل والتوسع العمراني، وقلّصت المساحات المخصصة للسيارات في عدد من الشوارع، وأنشأت ممرات تمنح الأولوية للدراجات، مع تخفيض سرعات المركبات وتوسيع الأرصفة وزراعة المزيد من الأشجار.
وتُجرى قرابة ثلث الرحلات داخل أوترخت بالدراجة، ما يعكس نجاح المدينة في جعلها وسيلة عملية وآمنة وليست مجرد خيار بيئي. كما تنفق البلدية نحو 63 يورو سنويًا عن كل فرد على مشروعات مرتبطة بالدراجات، ضمن استثمارات تشمل الطرق والمواقف والربط مع وسائل النقل العام والتخطيط العمراني.
ومن أبرز المشروعات التي ساهمت في شهرة المدينة مرآب الدراجات في محطة أوترخت المركزية، الذي يُعد أكبر مرآب داخلي للدراجات في العالم. وتوفر المدينة إجمالًا أكثر من 100 ألف مكان لركن الدراجات، بين مواقف الشوارع والمنشآت المحروسة، بما يجعل الانتقال من الدراجة إلى القطار أكثر سهولة وسرعة.
الدراجة متاحة للجميع
لم تكتفِ أوترخت ببناء البنية التحتية، بل اهتمت أيضًا بجعل الدراجة متاحة لمختلف شرائح المجتمع. ومن خلال برنامج مخصص لذوي الدخل المحدود، يستطيع السكان شراء دراجات مجددة مقابل 30 يورو فقط، مع الاستفادة من الصيانة المجانية لمدة عام.
وتدعم المدينة كذلك الدراجات المخصصة لنقل الأطفال والبضائع، وخدمات تأجير الدراجات المرتبطة بالمواصلات العامة، إلى جانب إشراك جمعيات راكبي الدراجات في القرارات المتعلقة بالشوارع والتنقل.
مدينة تنمو من دون أن تستسلم للسيارة
تواجه أوترخت، مثل مدن أوروبية كثيرة، تحديًا يتمثل في النمو السكاني والضغط المتزايد على الطرق والمساكن. لكنها اختارت مواجهة هذا التحدي بتقليل الاعتماد على السيارات، بدل توسيع الطرق لاستيعاب المزيد منها.
وتعمل المدينة حاليًا على تطوير حي جديد خالٍ تمامًا تقريبًا من السيارات، من المقرر أن يستوعب نحو 12 ألف شخص. كما تحولت شوارع رئيسية كانت مزدحمة بالمركبات إلى شوارع أكثر هدوءًا وأمانًا، تتقاسمها الدراجات والمشاة والمساحات الخضراء.
ومن الأمثلة البارزة شارع «ناختخالسترات»، الذي أُعيد تصميمه ليصبح شارعًا يمنح الدراجات الأولوية، ويعبره يوميًا نحو 15 ألف راكب. كذلك جرى تحويل طريق مؤلف من أربعة مسارات للسيارات إلى جادة خضراء ذات معابر أكثر أمانًا وسرعات منخفضة.
سرّ التفوق على كوبنهاغن
لا يعني حلول كوبنهاغن ثانية أنها تراجعت كثيرًا؛ إذ لا تزال تمتلك أعلى كثافة لمسارات الدراجات المحمية في العالم، بواقع 52 كيلومترًا من المسارات لكل 100 كيلومتر من الطرق. لكن أوترخت تفوقت بفضل تكامل سياساتها، وقوة الدعم المقدم للدراجات، وسهولة ركنها وربطها بالقطارات، إضافة إلى استمرارها في استعادة الشوارع من السيارات ومنحها للناس.
لقد أدركت أوترخت مبكرًا أن النجاح لا يتحقق بمجرد تخصيص مساحة صغيرة للدراجات على هامش الطريق، بل ببناء مدينة تكون فيها الدراجة جزءًا من تصميم الشارع ومن حياة السكان. وهنا يكمن سر تفوقها: فهي لم تحاول فقط جعل ركوب الدراجة ممكنًا، بل جعلته الخيار الأسهل والأكثر طبيعية.
وبفوزها في مؤشر كوبنهاغن، تقدم أوترخت نموذجًا عالميًا لمدينة أكثر هدوءًا وصحة وأمانًا، وتؤكد أن مستقبل المدن لا يُقاس بعدد السيارات التي تستطيع شوارعها استيعابها، بل بقدرتها على منح الإنسان مساحة أوسع للحركة والحياة.