أبريل 15, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

السكن مجاناً في برشلونة مقابل مرافقة كبار السن

السكن المشترك بين الطلاب وكبار السن في برشلونة ليس مجرد حل لأزمة السكن، بل تجربة إنسانية تعيد الدفء إلى البيوت وتبني جسوراً بين جيلين.

مبادرة إنسانية تجمع بين الأجيال وتكافح الوحدة
في زمنٍ تتزايد فيه عزلة كبار السن في المدن الأوروبية الكبرى، ويعاني فيه الشباب من صعوبة العثور على سكنٍ ميسور التكلفة، ظهرت في مدينة Barcelona مبادرة اجتماعية لافتة تحاول معالجة هاتين المشكلتين في آنٍ واحد. إنها تجربة السكن التشاركي بين الأجيال، التي تتيح للطلاب الإقامة مجاناً في منازل كبار السن مقابل تقديم الرفقة والمرافقة اليومية لهم.
هذه المبادرة، المعروفة باسم برنامج “العيش والتعايش”، تعد مشروعاً اجتماعياً غير ربحي يهدف إلى تعزيز التضامن بين الأجيال، وبناء جسور إنسانية بين الشباب وكبار السن، في تجربة تعود بالنفع على الطرفين معاً.
حين يلتقي جيلان تحت سقف واحد
يقوم البرنامج على فكرة بسيطة لكنها عميقة الأثر:
يقيم طالب جامعي مع شخص مسن يعيش بمفرده، فيحصل الطالب على سكن مجاني، بينما ينال المسن الرفقة والدعم الاجتماعي الذي يخفف من وطأة الوحدة.
ولا يُطلب من الطالب القيام بأعمال تمريض أو رعاية صحية متخصصة، فالمقصود من التجربة هو المشاركة في الحياة اليومية، مثل الحديث، أو تناول الطعام معاً، أو المساعدة في بعض الأمور البسيطة داخل المنزل.
هذه العلاقة القائمة على الاحترام المتبادل غالباً ما تتحول إلى تجربة إنسانية غنية، يتعلم فيها الشباب من خبرة كبار السن، بينما يستعيد المسنون شعورهم بالحياة الاجتماعية.
لماذا أُطلق هذا البرنامج؟
تشير تقارير اجتماعية في إسبانيا إلى تزايد ظاهرة الوحدة غير المرغوب فيها بين كبار السن. فمع تغير أنماط الحياة وتباعد أفراد العائلة، أصبح كثير من المسنين يعيشون بمفردهم لفترات طويلة.
في المقابل، يواجه الطلاب والشباب في المدن الكبرى أزمة سكن حقيقية بسبب ارتفاع أسعار الإيجارات، ما يجعل العثور على غرفة أو شقة مناسبة أمراً بالغ الصعوبة.
ومن هنا جاءت فكرة الجمع بين الطرفين في تجربة سكنية مشتركة تحقق منفعة متبادلة:
تخفيف الوحدة لدى كبار السن
توفير سكن مناسب للطلاب
شروط المشاركة للطلاب
يضع البرنامج مجموعة من الشروط لضمان نجاح تجربة العيش المشترك، من أبرزها:
أن يكون عمر الطالب دون الثلاثين عاماً، أو حتى 35 عاماً لطلاب الدراسات العليا.
أن يكون مسجلاً في إحدى الجامعات.
ألا يقيم في المدينة نفسها التي يدرس فيها.
أن يقضي ست ليالٍ على الأقل أسبوعياً في منزل المضيف.
الالتزام بموعد العودة إلى المنزل قبل الساعة العاشرة والنصف مساءً.
وتستمر الإقامة عادة لمدة عام دراسي واحد، مع إمكانية تمديدها طوال فترة الدراسة الجامعية.
من هم كبار السن المشاركون؟
البرنامج موجّه أساساً إلى الأشخاص الذين:
تزيد أعمارهم عن 65 عاماً
يعيشون بمفردهم
يتمتعون بقدر من الاستقلالية في حياتهم اليومية
كما يشترط أن يكون المنزل مناسباً للإقامة المشتركة، وأن يكون صاحب المنزل مستعداً لمشاركة مساحته مع طالب شاب.
تجربة إنسانية تتجاوز فكرة السكن
لم تعد هذه المبادرة مجرد حل عملي لمشكلتين اجتماعيتين، بل أصبحت تجربة إنسانية حقيقية تعيد تعريف معنى التضامن بين الأجيال.
فكثير من الطلاب الذين خاضوا التجربة يؤكدون أنهم لم يحصلوا فقط على سكن مجاني، بل اكتسبوا علاقة إنسانية عميقة مع شخص من جيل مختلف، وتعلموا من قصصه وخبراته في الحياة.
أما كبار السن، فيجدون في هذه التجربة فرصة لاستعادة الحوار اليومي والحضور الإنساني داخل المنزل، بعد سنوات من الصمت أو الوحدة.
نموذج اجتماعي يتوسع في أوروبا
مع تزايد الاهتمام بقضايا الشيخوخة والوحدة الاجتماعية، بدأ هذا النوع من المبادرات ينتشر في عدد من المدن الأوروبية. ويبدو أن نموذج التعايش بين الأجيال قد يكون أحد الحلول المستقبلية الذكية لمجتمعات تتغير فيها البنية العائلية وأنماط الحياة بسرعة.
وفي النهاية، تثبت هذه التجربة أن الحلول الاجتماعية الناجحة لا تعتمد دائماً على المال، بل أحياناً على فكرة بسيطة: أن يعيش الناس معاً بدلاً من أن يعيشوا وحدهم.