ماجدولين الرفاعي
لم يحتج «الألبوم السوري» لأصالة نصري وقتاً طويلاً حتى يغادر حدود الموسيقى. فما إن بدأت أغنياته وكليباته بالانتشار، حتى وجد السوريون أنفسهم أمام نقاش قديم متجدد: لمن تنتمي الأغنية الشعبية؟ ومن يملك حق القول إن هذه لهجتنا وهذا تراثنا؟
ربما كانت أصالة تتوقع أن يستعيد السوريون ذكرياتهم مع الأغنيات القديمة، لكنها على الأرجح لم تكن تتوقع أن يتحول المشروع أيضاً إلى امتحان جماعي للذاكرة.
في التعليقات والنقاشات التي رافقت الأغنيات، لم يكن السؤال دائماً: هل أعجبتكم الأغنية؟
كان السؤال في أحيان كثيرة أكثر حساسية:
هل هذه أغنيتنا أصلاً؟
ومن هنا تبدأ الحكاية.
كل مدينة تريد أغنيتها كما تتذكرها
حين يسمع الإنسان أغنية شعبية عاش معها منذ طفولته، فهو لا يتعامل معها بوصفها لحناً قابلاً لإعادة التوزيع فحسب.
إنه يعرف أين تمد الكلمة، وكيف تلفظ، ومتى ترتفع الزغرودة، وكيف تبدأ الدبكة، وربما يتذكر جدته وهي تقول المفردة بطريقة مختلفة تماماً.
لذلك فإن خطأ صغيراً لا يسمعه المستمع العربي العادي قد يبدو كبيراً جداً لابن البيئة التي جاءت منها الأغنية.
وهذا يفسر جانباً من التدقيق الذي رافق مشروع أصالة: السوريون لم يستقبلوا الأغنيات بوصفهم جمهوراً فقط، وإنما بوصفهم ـ بطريقة أو بأخرى ـ أصحاب ذاكرة يعتقد كل منهم أنه يعرف نسخته الأصلية.
لكن المشكلة أن تلك «النسخة الأصلية» قد لا تكون واحدة.
من سرق أغنية من الآخر؟
خذوا «عالروزانا».
يكفي البحث في تاريخ الأغنية حتى نجد أكثر من رواية وأكثر من منطقة تنسبها إلى ذاكرتها. ارتبطت بحلب بقوة، لكنها عاشت أيضاً خارجها، كما حدث مع كثير من الأغاني الشامية.
و«الدلعونا» أكثر وضوحاً في هذا المعنى. إنها ليست ملكية حصرية لمحافظة سورية واحدة، بل قالب غنائي وفولكلوري واسع الانتشار في بلاد الشام، تتغير كلماته وطريقة أدائه باختلاف المنطقة.
فمن المخطئ إذا قال ابن منطقة: «هذه أغنيتنا»؟
ربما لا أحد.
المشكلة ليست في الناس، وإنما في محاولتنا الحديثة وضع حدود ثابتة لتراث نشأ في زمن لم تكن فيه الموسيقى الشعبية تعترف بهذه الحدود.
كانت الأغنية تسافر قبل الإنترنت بقرون.
يحملها عريس إلى قرية زوجته، وفلاح إلى موسم الحصاد، ومسافر إلى مدينة أخرى. تتغير كلمة، ثم بيت، ثم إيقاع، وبعد جيلين تصبح لكل منطقة نسختها التي تقسم أنها الأصل.
حوران مثال واضح
«اكربي زنارك يا أم العريس» أعادت كثيرين إلى أجواء العرس الحوراني.
لكن حوران نفسها أوسع ثقافياً من حدود محافظة درعا الحالية. تراث الجنوب السوري يتداخل بين مناطق عدة، ويتجاوز في بعض عناصره الحدود السورية إلى شمال الأردن.
ولهذا يصبح السؤال عن «ملكية» أهزوجة شعبية أكثر تعقيداً من البحث عن اسم المحافظة التي وضعت أصالة الأغنية تحت عنوانها.
وهنا ربما وقع بعض المتابعين في فخ آخر: تحويل ملاحظات أفراد إلى موقف مجتمع كامل.
لم نجد ما يثبت أن درعا، مثلاً، «رفضت» أغنية أصالة كما أن استقبال أغنية السويداء تضمن أصواتاً مرحبة، وصلت إحداها إلى التعبير ببساطة: «تذكرتنا».
وهي عبارة ربما تقول عن المشروع أكثر مما تقوله صفحات من النقد.
اللهجة ليست امتحان إملاء
جزء من الجدل دار حول اللهجات.
لكن الحكم على أداء فنان للهجة محلية ليس بهذه البساطة أيضاً.
داخل المحافظة الواحدة قد تتغير المفردة وطريقة نطقها من قرية إلى أخرى، وبين المدينة والريف، وبين جيل وآخر. وفي مناطق مثل الجزيرة السورية تصبح عبارة «لهجة المحافظة» نفسها تبسيطاً شديداً لمجتمع متعدد اللغات والثقافات.
لذلك يجب الحذر من مقاطع مواقع التواصل التي تعلن بثقة: «أصالة أخطأت بلهجتنا».
قد يكون المتحدث محقاً في لهجة قريته، لكنه لا يمثل بالضرورة المحافظة كلها.
وهذه إحدى النتائج المثيرة التي كشفها الجدل: نحن نتحدث كثيراً عن «اللهجة السورية»، بينما الواقع أن سوريا تحتوي عشرات الطبقات اللهجية التي يصعب حصرها في تصنيف واحد.
المشكلة التي صنعتها الصورة
ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليضيف طبقة أخرى من الجدل.
استخدامه في الكليبات أثار إعجاب البعض، لكنه أثار اعتراض آخرين رأوا أن الصورة المصنوعة أضعفت مشروعاً موضوعه الأساسي هو الهوية الحقيقية.
وهنا يصبح الاعتراض مفهوماً.
عندما تكون لديك بصرى الشام الحقيقية، لماذا تصنع بصرى متخيلة؟
وعندما يكون لديك الفرات، وجبل العرب، وقلعة حلب، والبحر، والجزيرة، والقرى السورية بوجوه أهلها وأثوابهم، فما الذي تضيفه صورة شديدة الجمال إذا كان المشاهد ابن المنطقة ويستطيع خلال ثوان أن يشعر بأنها ليست مكانه؟
الذكاء الاصطناعي بارع في صناعة الجمال، لكنه حتى الآن أقل براعة في صناعة الذاكرة.
والفرق بينهما كبير.
وربما المشكلة ليست أصالة
بعد متابعة الجدل، يمكن قلب السؤال كله.
ربما لا تكمن القضية الأساسية في اختيارات أصالة، بل في علاقتنا نحن السوريين بتراثنا.
سنوات الحرب والهجرة جعلت المكان أكثر حساسية, وحين يعيش ملايين السوريين بعيداً عن مدنهم وقراهم، تتحول الأغنية والثوب واللهجة والطعام وحتى طريقة لفظ كلمة إلى علامات هوية.
لهذا يقول أحدهم بسرعة: «هذه لنا».
إنه ربما لا يدافع عن أغنية فقط.
إنه يدافع عن جزء من مكان يخشى أن يفقده.
وهذا يفسر لماذا يمكن لأغنية فولكلورية عمرها عشرات السنين أن تشعل نقاشاً حاداً في عام 2026.
ما كشفته أصالة من دون أن تقصد
قد نختلف على بعض الاختيارات، وعلى اللهجات، وعلى الذكاء الاصطناعي، وحتى على أصل بعض الأغنيات.
لكن «الألبوم السوري» كشف شيئاً أكثر أهمية:
التراث السوري ما زال حياً بما يكفي لكي نتشاجر عليه.
الناس لم تمر على الأغنيات بلا مبالاة. عادوا إلى أمهاتهم وجداتهم، وإلى الأعراس القديمة، وإلى أسماء القرى، وبدأوا يقارنون الكلمات والألحان والملابس.
وهنا ربما يكون المشروع قد حقق نتيجة لم تكن مكتوبة في خطته الأصلية.
لقد دفع السوريين إلى فتح خزائن ذاكرتهم.
أما المهمة التي ينبغي أن تبدأ بعد انتهاء الضجة فهي أكبر من ألبوم أصالة ومن أي فنان آخر: توثيق الأغنية الشعبية السورية من أفواه كبار السن والموسيقيين والباحثين في كل منطقة، وحفظ اختلاف رواياتها بدلاً من البحث دائماً عن رواية واحدة نعلنها «الأصل».
فالتراث لا يصبح أقل قيمة عندما تملكه أكثر من مدينة.
وربما أجمل ما في الأغنية الشعبية السورية أنها عبرت الجبال والقرى والحدود قبل أن نأتي نحن ونطلب منها إبراز هويتها.
أصالة لم تحسم السؤال: لمن هذه الأغنية؟
لكنها نجحت، ربما من حيث لا تدري، في جعل السوريين يسألونه من جديد.

More Stories
سوريا ترفع أسعار المحروقات وسط غضب من أعباء معيشية جديدة
تطوير مطار المزة يثير مخاوف بشأن مقابر جماعية وحقوق ملكية الأراضي
أصالة تغني سوريا.. ولكل أرض نبرة لا تُستعار