شكراً أصالة.. لأنك أعدتِ أغنيات سوريا إلى الذاكرة وفتحتِ أبواب تراثها أمام جيل جديد
ماجدولين الرفاعي
حين قررت أصالة نصري أن تجمع سوريا في ألبوم واحد، اختارت مهمة فنية ليست سهلة: أربع عشرة أغنية تستحضر تراث المحافظات السورية الأربع عشرة، بما تحمله من اختلاف في اللهجات والألحان والإيقاعات والذاكرة الشعبية.
المشروع، قبل الدخول في تفاصيله الفنية، يستحق التقدير. فأصالة صاحبة واحد من أجمل الأصوات العربية وأكثرها قدرة، وعودتها إلى التراث السوري في عمل بهذا الحجم تحمل معنى واضحاً من الوفاء لبلدها. وفي زمن أنهكت فيه سوريا بالحرب والانقسامات، تبدو محاولة جمع هذا التنوع في ألبوم واحد رسالة محبة تستحق أن يقال لصاحبتها: شكراً.
لكن الألبوم، منذ ظهوره، لم يمر من دون نقاش. فقد أثارت طريقة أداء اللهجات المحلية ملاحظات وانتقادات بين سوريين من مناطق مختلفة، وهو أمر يكشف في جانب منه مدى ارتباط الناس بتراث مناطقهم وحساسيتهم تجاه الطريقة التي يُعاد بها تقديمه.
فالأغنية الشعبية ليست كلمات ولحناً فقط. اللهجة جزء من موسيقاها، والنبرة ومخارج الحروف وطريقة مدّ الكلمات أو اختصارها قد تكون جزءاً من هوية الأغنية بقدر اللحن نفسه.
وفي حوران يظهر ذلك بوضوح.
قدمت أصالة أغنية درعا تحت عنوان «أم العريس»، مستعيدة لوناً من أغاني الأعراس الحورانية. ومن بين ما يعرفه أبناء المنطقة جيداً «اكربي زنارك»، وهي من الفلكلور الحوراني القديم الذي كان وما زال يتردد في الأعراس والأفراح.
ومن يريد إدراك أثر اللهجة في هذا اللون، يكفي أن يستمع إلى مطربين من أبناء البيئة نفسها، مثل حسام اللباد وأحمد القسيم.
ففي أدائهما لا تبدو اللكنة شيئاً أضيف إلى الأغنية أثناء التدريب، وإنما جزءاً طبيعياً منها. وأحمد القسيم تحديداً ارتبط اسمه بالأغنية الحورانية والتراث الشعبي للمنطقة، وهو تراث غني إلى درجة أن الاختلافات في اللكنة والأداء يمكن أن تظهر داخل حوران نفسها.
المقارنة هنا ليست بين من يمتلك الصوت الأجمل أصالة تمتلك صوتاً كبيراً لا يحتاج إلى إثبات، لكن ابن البيئة يمتلك شيئاً آخر: اللكنة التي نشأ عليها.
وهذا تحديداً هو التحدي الأكبر في مشروع يقوم على أداء تراث أربع عشرة محافظة بصوت واحد.
لا يمكن مطالبة أصالة بأن تكون حورانية في أغنية، وحلبية في أخرى، وجزراوية أو فراتية أو ساحلية أو دمشقية في الأغنيات التالية يمكن دراسة اللهجة والتدرب عليها، لكن تبقى هناك تفاصيل صغيرة يلتقطها ابن المنطقة فوراً لأنها جزء من ذاكرته السمعية.
لذلك فإن الاعتراض على بعض اللهجات لا ينبغي أن يتحول إلى محاكمة للمشروع، كما أن الإعجاب بالمشروع لا يفرض تجاهل هذه الملاحظات.
الألبوم عمل فني وليس أطلساً صوتياً للهجات السورية.
وربما تكمن إحدى قيمه، من دون قصد، في أنه أعاد السوريين إلى تراثهم. فحين يسمع ابن درعا أغنية أصالة ثم يبحث عن أدائها بصوت حسام اللباد أو أحمد القسيم، أو يفعل ابن محافظة أخرى الشيء نفسه مع أغنية من منطقته، يصبح العمل الحديث جسراً يقوده إلى الأصل بدلاً من أن يكون بديلاً عنه.
ولم يتوقف الجدل حول أصالة عند الألبوم ولهجاته. فالإعلان عن عودتها للغناء في سوريا بعد سنوات طويلة من الغياب فتح نقاشاً آخر حول إقامة الحفل نفسه.
ظهرت اعتراضات من أوساط دينية محافظة على إقامة الحفلات الغنائية، بينما رفض آخرون هذه الاعتراضات باعتبارها تدخلاً في الحياة الثقافية والفنية, وبرزت أيضاً انتقادات مختلفة تتعلق بتوقيت الحفل والظروف التي يعيشها السوريون، فضلاً عن نقاش حول أسعار التذاكر.
وهنا من الضروري ألا نخلط بين أمرين.
نقد اللهجة نقاش فني وتراثي، أما الاعتراض على إقامة الحفل فهو نقاش اجتماعي وثقافي وسياسي أوسع. ومن حق الناس أن يختلفوا حول الاثنين، لكن لا ينبغي استخدام أحدهما لإلغاء الآخر.
وسط كل هذا الجدل، يبقى للألبوم معنى يستحق التوقف عنده.
أصالة لم تقدم بحثاً أكاديمياً في الفلكلور السوري، بل قدمت رؤيتها الفنية لتراث بلدها. وقد تصيب اللكنة في مكان وتبتعد عنها في آخر، لكن ذلك لا يمحو قيمة المحاولة ولا الجهد المبذول فيها.
وربما يكون أجمل إنصاف لهذا المشروع أن نستمع إليه على مستويين:
نستمتع بصوت أصالة وبقراءتها الحديثة للأغنيات، ثم نعود إلى أصحاب الأرض لنسمع النبرة الأولى التي ولدت فيها تلك الأغنيات.
في حوران، مثلاً، سيبقى لحسام اللباد وأحمد القسيم وغيرهما من أبناء المنطقة ذلك الإيقاع الذي يعرف طريقه إلى الكلمة من دون عناء، لأنهم لم يتعلموا اللهجة من أجل أغنية؛ لقد عاشوها.
لذلك نقول لأصالة: شكراً.
شكراً لأنك أعدت فتح نافذة على تراث سوريا، وجعلت أغنيات مناطقها موضوعاً للنقاش والاستماع والبحث من جديد.
أما الاختلاف حول اللهجات، فلا يقلل من جمال صوتك ولا من قيمة المشروع.
لأن الفنان يستطيع أن يمنح الأغنية صوته ورؤيته وانتشاراً جديداً، لكن هناك شيئاً يبقى عصياً على الاستعارة الكاملة:
لكنة الأرض.

More Stories
قرود هاربة تهاجم مدنيين في سلقين بريف إدلب
ثأر داخل قاعة المحكمة.. قتيل وشرطي مصاب في القصر العدلي باللاذقية
نجت جدران منزلها من الحرب.. ثم انهارت فوقها في ريف حماة