أكتوبر 23, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

في هولندا.. 30 ساعة من الرفقة تمنح الطلاب سكنًا مجانيًا وتبدّد وحدة المسنين

تجربة هولندية تجمع الطلاب وكبار السن تحت سقف واحد، حيث تتحول ساعات الرفقة إلى جسر إنساني بين الأجيال.

جوليا دومنا برس – هولندا

في تجربة إنسانية تجمع بين دفء العلاقات الاجتماعية والحلول العملية لأزمة السكن، ابتكرت إحدى دور رعاية المسنين في هولندا نموذجًا فريدًا يفتح أبوابه أمام الطلاب الجامعيين للإقامة مجانًا، مقابل تقديم ما لا يُشترى بالمال: الوقت والاهتمام والرفقة.

بدأت الفكرة في دار رعاية «هيومانيتاس» (Humanitas) بمدينة ديفينتر الهولندية عام 2012، حيث أُتيح لعدد من الطلاب العيش إلى جانب كبار السن، مقابل تخصيص نحو 30 ساعة شهريًا لمشاركتهم تفاصيل حياتهم اليومية، من تناول وجبات الطعام وتبادل الأحاديث إلى ممارسة الألعاب والأنشطة الثقافية والاجتماعية.

ولا يُطلب من الطلاب أداء أي مهام طبية أو تمريضية، فدورهم يقتصر على التواصل الإنساني، وكسر العزلة، وإضفاء روح الشباب والحيوية على حياة المسنين.

حين يصبح الوقت أغلى من المال

تقوم المبادرة على فكرة بسيطة وعميقة في آن واحد، وهي أن كبار السن لا يحتاجون دائمًا إلى المزيد من الخدمات بقدر حاجتهم أحيانًا إلى شخص يجلس بجانبهم، ويستمع إلى حكاياتهم، ويشاركهم فنجان قهوة أو نزهة قصيرة.

وفي المقابل، يجد الطلاب الذين يواجهون صعوبات في تأمين سكن مناسب فرصة للاستقرار في بيئة آمنة، دون أعباء الإيجارات المرتفعة، مع اكتساب خبرات اجتماعية وإنسانية لا توفرها قاعات الدراسة.

وهكذا تتحول العلاقة بين الطرفين إلى تبادل حقيقي للمنافع؛ يمنح الشباب وقتهم وحيويتهم، ويمنح كبار السن خبراتهم وذكرياتهم وحكمتهم التي راكمتها السنوات.

جيلان تحت سقف واحد

تكمن خصوصية التجربة في أنها لا تتعامل مع كبار السن بوصفهم أشخاصًا يحتاجون إلى الرعاية فحسب، بل باعتبارهم جزءًا حيًا من المجتمع، قادرين على العطاء والتواصل وبناء صداقات مع أجيال أصغر سنًا.

كما تساعد الحياة المشتركة على تضييق الفجوة بين الأجيال، وتغيير الصور النمطية المتبادلة، إذ يكتشف الطلاب عالمًا من التجارب والحكايات، بينما يستعيد المسنون جانبًا من حيوية الحياة اليومية.

وقد حظيت تجربة «هيومانيتاس» باهتمام إعلامي دولي منذ عام 2015، وألهمت مبادرات مشابهة في مؤسسات رعاية هولندية أخرى، وإن اختلفت شروط الإقامة من برنامج إلى آخر.

أكثر من مجرد حل لأزمة السكن

تطرح هذه التجربة سؤالًا مهمًا حول إمكانية إيجاد حلول اجتماعية تعالج أكثر من مشكلة في الوقت نفسه.

ففي عالم تتزايد فيه تكاليف المعيشة وتتسع فيه دائرة الوحدة، خصوصًا بين كبار السن، تقدم المبادرة تصورًا مختلفًا للتكافل الاجتماعي، لا يقوم على المساعدات المالية وحدها، بل على تبادل الاحتياجات الإنسانية بين الأجيال.

وربما تكون أجمل رسالة تحملها هذه التجربة أن مواجهة الوحدة لا تحتاج دائمًا إلى مشروعات ضخمة أو ميزانيات هائلة، بل قد تبدأ بباب يُفتح لشاب يبحث عن منزل، ومقعد يُفسح له إلى جوار مسن يبحث عن صديق.

فالسكن يمنح الإنسان سقفًا يحميه، أما الرفقة فتمنحه شعورًا بأن الحياة ما زالت عامرة بمن يشاركه أيامها.