
عبد الرحمن الإبراهيم -شاعر سوري
لو تشتهين، لمرّةٍ، من خبزِ قلبي
صبوةَ التنّورِ في وجهِ الرّغيف،
المزدهي بالسّمسمِ المشويّ،
محتفياً بعفّةِ عاشقٍ
عيناه تشتلُ ذكرياتٍ
فوقَ مسطبطةِ الفطور.
لو تفتحين، لنسمةٍ، أبوابَ روحي،
حين يشهقُ حولَ لفتتِكِ الجّفولة،
ما تغابرَ من دمِ الجوريّ
في رئةِ العصور.
لو ترتدين، لرعشةٍ، أقماحَ كفّي،
وهي تجترُّ الهجيرَ من الحصاد،
لبردكِ المكتظّ في وجهٍ
تحلّقَ ياسمينُ الله محتشداً،
يصلّي سنّةَ الأضحى
على تفّاحتَيه.
لو تقطفين، لعَبرةٍ، من كرمِ عيني
حبّةً نضجتْ معاني حزنِها،
وغدتْ كعنقودِ الصّبابة،
حينَ تشرينٌ
يداهمُ صدرَ داليةِ الشّعور.
لو تشربين، من القصيد، لنشوةٍ،
أقداحَ ما بين السطور،
وتتركين، لغفوةٍ، أحلامَكِ البيضاء،
تقترفُ التسكّعَ فوق أضلاعي،
وتشردُ في دمي،
كشرودِ شحرورٍ يجرّبُ نايةَ الأشواق،
يغمسُها بزعرورِ الحنين.
لو تفعلين،
لعثرتِ في قلبي على رجلٍ
تبلّورَ من براءةِ ضيعةٍ
يقتاتُ نُبلاً من سواعدِها (الشَّفلح)،
كانتْ تزنّرُ خصرَها بالبيلسان،
وعلى شقاءِ جبينِها
كانتْ تعلّقُ خرزةً زرقاءَ
من حسدِ السنين.
فأنا المعمّدُ بالضبابِ العذب،
ينضحُ من مداخنِها
نشيجَ الزيتِ في المقلاة،
يعلنُ بالرّوائحِ للأزقّةِ
موسمَ (الخبّيز)،
يمتحنُ المشاعرَ في صدورِ العابرين.
وأنا المقطّرُ في ظلامِ الليلِ
من دمعِ الأمومة،
حين تُحشرُ حاجةُ الأطفال،
قبل العيد، في حلقِ الخواطر،
أو حين تسقطُ صدفةً
فوق (المُحَمّرِ) من جيوبِ الرّف،
صورةُ غائبٍ
كانتْ تخبّئُ حزنَها بينَ الدفاتر.
وأنا المشكّلُ من ترابٍ،
يحفظُ (السلبينُ) نكهتَه،
وشوكُ (القندريس)،
وهذا الكحلُ في هدبِ السّنابل.
وأنا المخضّلُ بالأذان، وبالهديل،
وبالصهيل، وبالثغاء،
وبالمواء، وبالرفيف، وبالحفيفِ وكرمه،
وخريرُ ما ابتكرَ الشتاءُ لضيعتي،
ما بين أضلاعِ الدروب،
من الجّداول.
وأنا المثقّفُ بالحلالِ وبالحرام،
وبالكرامةِ في القبور، وبالتّمائم،
والخرافاتِ اللطيفةِ في تعاويذِ العجائز،
والرواياتِ الطويلةِ
عن مصاولةِ الضّباعِ وغدرِها،
من جعبةِ السمّار،
أثناءَ اختلاطِ الخوفِ بالثلجِ المكدّس،
فوقَ أجفانِ المغائر.
وأنا المضمَّخُ بالعتابا،
وارتعاشاتِ الرّحى لسواعدٍ
تحكي عن الممنوعِ في فقهِ الهوى،
بأساورِ العظمِ المذهّب،
وهي تَطحنُ مع حبوبِ الحنطةِ السّمراء
حبّاتِ القلوب.
وأنا المضرّجُ بالجّميل من الذنوب،
وأنا المؤجّجُ بارتجاجِ الجُّرن،
والحبّاتُ تخلعُ بينَ كفّيه
الثيابَ برقصةٍ
تهبُ الغرامَ بلا قشور.
وأنا الغيابُ المرتدي وجهَ الحضور،
وأنا الحياة،
ومطرحي بينَ القبور.
أنا غلطةُ التاريخ،
جئتُ مفجّراً قلبي
لأنسفَ بالمحبّةِ
ما تشيّدهُ المهازل.
فأنا قتيلُ الكحل،
آخرُ أنبياءِ العشق،
في جيلِ المزابل.
أرجوكِ لا تتأفّفي،
وتفهمي تهيامَ حارتِنا
بمزبلةٍ فقيرة،
أي كالتي كانتْ
مكانَ المجلسِ البلديّ،
تجلسُ كالأميرة،
أضيافُها الشمسُ النظيفةُ،
والطفولةُ،
والسِّخالُ السّمرُ تنعمُ بالشقاوة،
وهي تقضمُ ما تفتّقَ
من قلوبِ التّمرِ
في يدِها النّضيرة،
وطقوسُ عشقٍ
تنتهي بينَ الديوكِ إلى الصراع،
على مضاجعةِ الرّعية.
كانتْ تغسّلُ، بابتساماتِ الصبايا، وجهَها،
وتلمُّ من فرحِ الرّموشِ بكحلِها
عبقَ الصباحاتِ النّديّة.
أرجوكِ لا تتذمّري،
وتلطّفي بشجونِنا
لغيابِ مزبلةٍ
تعتّقُ نصفَ ذاكرةِ العشيرة.
فلكم عثرنا،
حين تشتاقُ الحقولُ إلى السّماد،
ونحنُ ننبُشُ قلبَ مهجتِها الخصيب،
على مضامينٍ مثيرة:
نأماتِ جرحٍ
تنزوي بثقوبِ زنّارٍ لمريم،
جاء يوماً من دمشقَ مدلّلاً،
ما بينَ كنزةِ خالدٍ وضلوعِه،
أي قبلما يستشهدُ المخدوعُ
في إحدى هزائمِنا الكثيرة.
سكّينِ خالي،
لم تدعْ بيتاً
يلوّحُ الضيفُ من أبوابه
إلاّ ولاحتْ من رقابِ دجاجِه،
وعرفتُها من وشمِ تاريخِ الصناعة،
واضحاً ما زال يحفظُ
حزنَه الغجريَّ
في النّصلِ الكسيرة.
وخزامِ ليلى،
كم تبادلْنا بخلواتِ المواجد،
ما توفّرَ من شكوكٍ
عن ظروفِ ضياعِه في ليلةٍ شتويّةٍ،
وأظنّها كانتْ مطيرة.
وكثيرةٌ يا دهشتي أشياءُنا،
وكبيرةٌ فيما حوتْ.
أرجوكِ لا تتململي من كونِها
تبدو لأوّلِ نظرةٍ
نتفاً حقيرة.
فعلى سبيلِ نضالِنا الشعبيّ،
أذكرُ كفَّ مقلاعٍ لـ(ديبو)،
يومَ صلّينا وسلّمنا على أشلائها،
هي لم تحرّر نصفَ شبر،
غيرَ أنّي لم أزلْ أشتمُّ
من خيطٍ يصونُ رفاتَها
ما لا يُشمُّ من المدافعِ
والشّعاراتِ الكبيرة.
طوبى لمزبلةٍ
تُكفَّنُ كلّما ماتتْ بأجفانِ الحقول،
وتعودُ في نيسانَ
(لبوناً) و(وحواحاً) يغازلُ بالمفاتن نسمةً
ما بينَ أعوادِ البقول.
وبكلِّ ما في (الحندقوق) من الغوى،
وبزهرِه من خمرةِ الألوان،
ما يكفي الفراشَ لكي يدوخَ من الجمال،
وورودَ أشواكٍ
لها كضفافِ ثغرِكِ حمرةٌ
كنّا نسمّيها،
لخاطرِ لونِها، (دمَّ الغزال).
شكراً لبسمتِكِ الخجولة،
أطلقتْ من برجِ حزني
ما تبقّى للقصيدةِ من عذاباتٍ
بأجنحةِ اليمام.
شتّانَ بينَ نقاءِ مزبلةٍ
وأقذارٍ تكدّستْ منذ جهلٍ
في مكبّاتِ الحضارة.
ذهبتْ بموجةِ باطلٍ،
لتظلَّ في الوجدان،
تحترفُ الخلودَ،
وتحتسي من كلِّ شيخٍ
– حين يذكرُها –
الشبابا.
ولها التباهي،
إذْ ما رأيتُ،
على نعاسِ جفونِها،
أبداً ذبابة،
ولا عاثَ البعوضُ بشعرِها
كبعوضِ شطآنِ المجاريرِ التي
أهدتهُ منتجعاً
لينتجَ كلَّ ثانيةٍ إصابة.
ولا رأيتُ كلباً
راحَ يأكلُ تحتَ عينيها الكلابا،
ولا من صوبِها
هبَّ الهواءُ على المساطب،
مفعماً بعبيرِ (كهريز) الإبادة،
متنكّباً أكياسَه السوداء،
من وجهِ المكبِّ رسائلَ
ممهورةً بسوائلِ الإجهاض،
أو ماءِ الحراكِ العاطفيّ،
وفائضاتِ الناتجِ القوميّ،
أو من مغنمِ اللصِّ النّبيل
دماءَ من أكلوا بأنيابِ العيادة.
لو تعرفين،
هواءَ ضيعتِنا العتيقَ،
على السّطوحِ يرفُّ كالعصفور،
منتشياً، يقبّلُ بالنسائم
جوقةَ الأحلام،
في هدبِ الوسادة.
يأتي ليلعبَ مع ثيابِ المغرماتِ
على حبالِ غسيلِنا،
ويبثُّها شوقَ الرّبى
برفاتِ زهرِ (العيصلان).
من ديوان «حارات عينيها العتيقة»

باقات شكر وامتنان