يونيو 1, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

رانيا العباسي وأطفالها الستة… القضية التي أعادت فتح جرح المفقودين في سوريا

عودة قضية رانيا العباسي وأطفالها إلى الواجهة بعد ظهور أدلة وتسجيلات جديدة تذكرنا بأن هذا الملف لا يخص أسرة واحدة فقط، بل آلاف السوريين الذين ما زال مصيرهم مجهولاً. الحقيقة حق لأهالي الضحايا، والعدالة تقتضي كشف جميع الملفات ومحاسبة كل من يثبت تورطه أمام القضاء في تحقيقات شفافة وعلنية، مهما طال الزمن.

عادت قضية الطبيبة السورية رانيا العباسي وأطفالها الستة إلى واجهة الاهتمام العام بعد تطورات جديدة وصفت بأنها الأخطر منذ اختفاء الأسرة عام 2013، إذ أعلنت وزارة الداخلية السورية والهيئة الوطنية للمفقودين التوصل إلى معلومات وأدلة جديدة تشير إلى مقتل الأطفال، مع توجيه أصابع الاتهام إلى أمجد يوسف، المتهم الرئيسي سابقاً في مجزرة التضامن.


القضية التي بقيت لسنوات طويلة واحدة من أكثر ملفات الاختفاء القسري غموضاً في سوريا، شهدت تحولاً كبيراً بعد ورود مواد مصورة وأدلة جنائية جديدة سُلّمت للجهات المختصة عبر قنوات قانونية، ما دفع إلى تشكيل فريق تحقيق مشترك لمراجعة المقاطع وتحليلها والتأكد من هوية الأشخاص الظاهرين فيها.

ووفق التصريحات الرسمية، توصلت التحقيقات إلى درجة عالية من اليقين بشأن هوية الأطفال الذين ظهروا في بعض التسجيلات المصورة.
والجديد في القضية لا يقتصر على فيديو مجزرة حي التضامن الذي صدم العالم قبل سنوات، بل يتعداه إلى وجود تسجيلات ومقاطع أخرى لم تكن معروفة للرأي العام سابقاً.

وبحسب ما كشفه شقيق رانيا العباسي، فإن العائلة اطلعت عبر جهات دولية مختصة بملف المفقودين على تسجيلات مصورة جديدة يُعتقد أنها توثق اللحظات الأخيرة للأطفال، مؤكداً أن أفراد الأسرة تمكنوا من التعرف إليهم داخل تلك المقاطع.
ووفق المعلومات المتداولة في التحقيقات، يظهر أمجد يوسف في أحد المقاطع وهو يدخل إلى غرفة مظلمة يوجد فيها أطفال قبل إطلاق النار عليهم، وهي رواية ما تزال ضمن إطار التحقيقات الجارية التي تسعى الجهات المختصة إلى استكمالها وتوثيقها بشكل قانوني وقضائي كامل.
بدأت مأساة الأسرة في مارس/آذار 2013 عندما اعتُقل زوج رانيا العباسي، عبد الرحمن ياسين، من منزل العائلة في مشروع دمر بدمشق، قبل أن تُعتقل الطبيبة وأطفالها الستة في اليوم التالي. وبعد سنوات ظهرت صور الزوج ضمن ملف “قيصر”، ما أكد استشهاده تحت التعذيب، بينما بقي مصير رانيا وأطفالها مجهولاً لأكثر من ثلاثة عشر عاماً.
رانيا العباسي شخصية معروفة في المجتمع السوري، فهي طبيبة أسنان وبطلة سابقة في لعبة الشطرنج، وقد تحولت قصتها إلى واحدة من أبرز رموز ملف المعتقلين والمختفين قسراً خلال سنوات الحرب السورية.
لكن رغم هول ما تكشف من تفاصيل، تبقى قضية رانيا العباسي وأطفالها جزءاً من مأساة أكبر بكثير. فهذه الأسرة ليست الوحيدة التي اختفت في أقبية النظام السابق أو في ظروف غامضة خلال سنوات الثورة السورية، إذ ما تزال آلاف العائلات السورية تنتظر معرفة مصير أبنائها المفقودين والمختفين قسراً، وبعضها لا يطالب اليوم إلا بمعلومة أو قبر أو دليل يضع حداً لسنوات الانتظار القاسية.
لذلك فإن الكشف عن مصير أطفال رانيا العباسي، على أهميته، لا ينبغي أن يكون نهاية الملف، بل بداية مرحلة أوسع من العمل لكشف مصير جميع المفقودين والمختفين في سوريا فالحقيقة لا تتجزأ، والعدالة لا تكتمل بملف واحد مهما كانت رمزيته.
كما أن خطورة الاتهامات الموجهة إلى أمجد يوسف تستدعي إجراء تحقيق قضائي علني وشفاف أمام الرأي العام، تُعرض فيه الأدلة والشهادات بشكل واضح، ويُحاسب فيه كل من يثبت تورطه، ليس فقط في قضية رانيا العباسي وأطفالها، بل في كل الجرائم والانتهاكات المرتبطة بملف المعتقلين والمفقودين.
إن راحة أهالي المفقودين تبدأ بمعرفة الحقيقة، والعدالة تبدأ بكشفها كاملة، مهما تأخرت السنوات.