يوليو 21, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

من عهد عمر بن الخطاب إلى ذاكرة الثورة.. الجامع العمري في درعا على قوائم تراث الإيسيسكو

من مئذنة التاريخ إلى ذاكرة الثورة.. الجامع العمري في درعا شاهدٌ لا يشيخ.

عاد الجامع العمري في مدينة درعا إلى واجهة الاهتمام الثقافي والتراثي، بعد إدراجه على قوائم التراث في العالم الإسلامي التابعة لمنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة «الإيسيسكو»، في خطوة تعزز جهود حماية أحد أقدم المعالم الإسلامية في سوريا وصون قيمته التاريخية والحضارية.
ويقف الجامع، الذي ارتبط اسمه بمدينة درعا وذاكرة أهل حوران لأكثر من ثلاثة عشر قرناً، شاهداً على مراحل متعاقبة من التاريخ؛ من بدايات العصر الإسلامي وصولاً إلى أحداث الثورة السورية التي منحته رمزية خاصة في الذاكرة الوطنية الحديثة.
من أقدم مساجد بلاد الشام
يُعد الجامع العمري من أقدم المساجد التي أنشئت في بلاد الشام بعد الفتح الإسلامي، وتشير المصادر التاريخية إلى أن بناءه الأول يعود إلى عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب في النصف الأول من القرن السابع الميلادي، ومن تلك الحقبة اكتسب اسمه الذي لازمه عبر القرون.
وشهد الجامع خلال العصور الإسلامية المتعاقبة عمليات توسعة وإعادة بناء وترميم، ولا سيما في العهود الأموية والأيوبية والمملوكية والعثمانية، ما منحه طابعاً معمارياً يجمع بين مدارس فنية متعددة، مع احتفاظه بمكانته التاريخية.
كما تشير الدراسات الأثرية إلى أن الجامع شُيّد فوق بقايا منشآت رومانية وبيزنطية، في دلالة على تعاقب الحضارات على مدينة درعا، إحدى المدن التاريخية العريقة في المنطقة.
الجامع العمري وذاكرة الثورة السورية
لم تقتصر مكانة الجامع العمري على دوره الديني والتاريخي، إذ اكتسب رمزية وطنية كبيرة خلال الأيام الأولى من الثورة السورية عام 2011.
فقد تحول الجامع إلى نقطة تجمع للمتظاهرين في درعا، واحتضنت ساحته مستشفى ميدانياً لعلاج الجرحى والمصابين، ليصبح اسمه مرتبطاً بمرحلة مفصلية من تاريخ سوريا الحديث.
وخلال سنوات الحرب، تعرض الجامع لأضرار واسعة طالت مئذنته وأجزاء من بنائه، قبل أن تبدأ أعمال ترميم وإعادة تأهيل للموقع، وسط دعوات إلى استكمال الجهود اللازمة للحفاظ على هويته التاريخية والمعمارية.
إدراج ضمن تسعة مواقع سورية
وجاء تسجيل الجامع العمري ضمن تسعة مواقع تراثية سورية أدرجت على لائحة الإيسيسكو عام 2026، بعد انقطاع استمر 14 عاماً.
وشملت المواقع المسجلة أيضاً الجامع الأموي وقصر العظم ومكتب عنبر وقلعة دمشق، إلى جانب قلعة صلاح الدين في اللاذقية، وموقع أفاميا الأثري في حماة، والمكتبة الوقفية في حلب، وموقع اللجاة الأثري في درعا.
ويمثل هذا الإدراج خطوة مهمة في مسار صون التراث الثقافي السوري، وفتح آفاق جديدة للتعاون في مجالات الترميم والتوثيق والتأهيل.
ذاكرة حوران التي لا تغيب
بالنسبة لأهالي درعا وحوران، لا يمثل الجامع العمري مجرد بناء تاريخي أو مكان للعبادة، بل يشكل جزءاً أصيلاً من هوية المنطقة وذاكرتها الاجتماعية والوطنية.
وبين حجارته العتيقة وآثار ما خلفته سنوات الحرب، يواصل الجامع سرد قصة مدينة عبرت قروناً من التاريخ، وشهدت واحدة من أكثر اللحظات تأثيراً في تاريخ سوريا الحديث.
واليوم، مع إدراجه على قوائم تراث الإيسيسكو، تتجدد الآمال في استكمال ترميم هذا الصرح التاريخي والحفاظ عليه، ليبقى الجامع العمري شاهداً على تاريخ حوران وذاكرة درعا التي لا تغيب.