حين يعانق الوطنُ فجرَه… وتبقى روحي على عتبةِ العودة
كم هو موجعٌ أن يسقط الطغيان، وأن تُفتح أبواب المعتقلات وزنازين الموت، ولا أستطيع الإحتفال بالحرية كما حلمتُ يومًا. كنتُ قد نذرتُ أن أسير حافيةً في شوارع دمشق عندما يشرق فجر الحرية، أن أترك لقدميّ حرية ملامسة ترابها، لعلّه يداوي شيئًا من الشقوق التي خلّفتها سنوات الفقد والمنفى.
حلمتُ بالعودة إلى سوريا أربعةَ عشر عامًا. كان الحلم يكبر معي، يرافقني في المنفى، يضع يده على كتفي كلما ضاقت الدنيا. وعندما حان الوقت أخيرًا، وشارف الحلم على أن يتحقق، وقفت بيني وبين السجود فوق تربة بلادي النديّة حقيقةٌ موجوعة: ظروفي لا تسمح لي بالسفر… حتى إشعارٍ آخر.
والموجع أكثر من الوجع نفسه، أن تحتفل سوريا بالذكرى السنوية الأولى للتحرير، بينما أنا بعيدة عن دمشق، وعن درعا التي كتبت اسمها بالدم، وعن حمص التي صارت أيقونة للبقاء. بعيدةٌ عن تراب سوريا… عن رائحته التي تُشعل الذاكرة وتُطفئ القلب في اللحظة ذاتها.
ماذا يفعل الغريب عن وطنٍ تغيّرت ملامحه بينما كان المنفى يستنزف روحه؟ وطنٌ أعاد تشكيل ذاته بعد زمنٍ طويل من الفقد، حتى بتنا نشعر بالغربة عند عتباته الجديدة. نحن الذين انتظرنا أن نعود كما يَعود الغيمُ إلى السماء، نكتشف اليوم أن الطريق إلى الوطن ليس جغرافيا، بل امتحان آخر من امتحانات الصبر.
صحيح أنني خرجتُ أمس لأحتفل هنا، بين جالياتٍ تحمل سوريا في حقائبها وعيونها، لكن رائحة التراب ظلّت بعيدة… بعيدة حدّ الوجع، قريبة حدّ الدمعة.
وفي عيد التحرير، وبعد التهاني التي نستحقها جميعًا، لا يسعني إلا أن أقدّم العزاء والمواساة لكل من فقد شهيدًا في المعارك، أو في أقبية الزنازين القبيحة التي ابتلعت أحلامًا ووجوهًا وأسماء. وكامل العزاء لأسر المفقودين، أولئك الذين أصبحت زيارة قبر — ولو بلا اسم — حلمًا مؤجلاً.
كل عام وسوريا بخير… كل عام وهي تقترب خطوة أخرى من الشفاء، وتقترب أرواحنا خطوة أخرى من العودة.
ماجدولين الرفاعي


More Stories
رمضان… موسم الطمأنينة والضياء
حريق وإخلاء مبنى سكني ليلة رأس السنة في روتردام
جوليا دومنا برس تستقبل 2026 برؤية ثقافية متجددة