بقلم: سعيد الوالي
لم يعد الجدل الدائر حول اتحاد الكتّاب العرب في سوريا متعلقاً بقرار منفرد، أو باسم جرى تعيينه وآخر أُعفي من موقعه. فمع توالي التغييرات داخل المؤسسة منذ تولي أحمد جاسم الحسين رئاستها في أكتوبر/تشرين الأول 2025، بات السؤال أوسع من الأشخاص: كيف يُدار الاتحاد، ومن يملك سلطة القرار فيه، وما حدود صلاحيات إدارة جاءت أساساً في مرحلة انتقالية؟
هذه الأسئلة لا تفترض إدانة أحد، ولا تنكر حاجة الاتحاد إلى إصلاح جذري بعد عقود من ارتباط المؤسسات الثقافية السورية بالسلطة السياسية. لكنها تصبح مشروعة عندما تتوالى قرارات الفصل والتكليف والإعفاء وإعادة الهيكلة، بينما لا تكون الآليات التي أنتجتها واضحة بالقدر نفسه.
إدارة انتقالية وصلاحيات تحتاج إلى تعريف
في أبريل/نيسان 2025، شُكّل مجلس لتسيير أعمال اتحاد الكتّاب العرب ضم عدداً من الكتّاب، بينهم محمد منصور، وفدوى العبود، ومحمد سعيد العتيق، ومروة حلاوة وآخرون.
وبعد استقالة رئيس الاتحاد آنذاك محمد طه العثمان، كُلّف أحمد جاسم الحسين برئاسة الاتحاد في 11 أكتوبر/تشرين الأول 2025.
المسألة المهمة هنا أن الإدارة الجديدة لم تأتِ نتيجة انتخابات عامة لأعضاء الاتحاد.
بل إن الاتحاد العام للأدباء والكتّاب العرب، عندما أعاد عضوية الاتحاد السوري في فبراير/شباط 2026، أشار إلى إدارة الحسين للاتحاد إلى حين إجراء الانتخابات، ومنح الاتحاد السوري مهلة لإجراء انتخابات ديمقراطية.
وهنا تظهر أولى الإشكاليات:
إذا كانت الإدارة انتقالية، فما حدود صلاحياتها؟
هل تقتصر مهمتها على تسيير المؤسسة وإعادة بنائها وصولاً إلى الانتخابات، أم تمتلك صلاحيات إعادة تشكيل هيئاتها واتخاذ قرارات بعيدة الأثر في بنيتها؟
السؤال لا يعني أن الإدارة الانتقالية يجب أن تكون مشلولة. لكنه يعني أن اتساع صلاحيات أي إدارة غير منتخبة ينبغي أن يقابله قدر أكبر من الشفافية والتشاركية.
من يدخل المكتب التنفيذي.. ومن يغادره؟
في 31 أغسطس/آب 2026 أعلن اتحاد الكتّاب العرب انضمام محمد رياض وتار وعمار محمد النهار إلى المكتب التنفيذي، وقال إن الخطوة تأتي ضمن خططه التطويرية والانفتاح على الكفاءات الأكاديمية والفكرية.
لكن الإعلان فتح سؤالاً أبسط مما يبدو:
من غادر المكتب التنفيذي مقابل دخول العضوين الجديدين؟
فالتشكيلة المنشورة سابقاً على الموقع الرسمي للاتحاد كانت تضم، إلى جانب أحمد جاسم الحسين، كلاً من بسمة شيخو وجهاد الأحمدية وفدوى العبود ومروة حلاوة وعيسى الصيادي.
وإذا كانت التشكيلة قد تغيرت، فمن حق أعضاء الاتحاد والرأي العام الثقافي معرفة طبيعة هذا التغيير.
هل أُعفيت مروة حلاوة وفدوى العبود من عضوية المكتب؟
وإذا حدث ذلك، فما القرار الذي استند إليه الإعفاء؟
ومن الجهة التي أصدرته؟
وهل عُرض على المكتب التنفيذي؟
وهل حل العضوان الجديدان مكانهما تحديداً؟
حتى الآن، لا يظهر في الإعلان المنشور عن انضمام العضوين الجديدين تفسير واضح لهذه الأسئلة.
وهنا لا يتعلق الأمر بالدفاع عن عضو سابق أو الاعتراض على عضو جديد. فمحمد رياض وتار أو عمار النهار ليسا موضع القضية.
القضية هي آلية تداول المسؤوليات داخل مؤسسة ثقافية عامة.
الإدارة التي تعلن من يدخل المؤسسة يفترض أن تكون واضحة أيضاً بشأن من يغادرها ولماذا.
«الأسبوع الأدبي».. واقعة كشفت عمق المشكلة
قبل ذلك، شهد الاتحاد أزمة أكثر وضوحاً على خلفية مقال للكاتب وعضو المكتب التنفيذي محمد منصور حمل عنوان «ثقافة الإلغاء والدمج: وداعاً مجلاتنا».
كان المقال ينتقد قراراً يتعلق بمصير عدد من المجلات الثقافية العريقة التابعة للاتحاد.
لم يُنشر المقال.
ثم أُقيل رئيس تحرير «الأسبوع الأدبي» حسن قنطار، وقُدمت الإقالة باعتبارها مرتبطة بمنع نشر المقال ومخالفة مبدأ حرية التعبير.
لكن صاحب المقال نفسه، محمد منصور، قدم رواية مختلفة، وقال إن تعليمات عدم نشره جاءت من رئيس الاتحاد، وهي الرواية التي أيدها قنطار.
وهنا ظهرت مشكلة تتجاوز الأشخاص.
فأمام الرأي العام روايتان متناقضتان بشأن قرار واحد.
إذا كان رئيس التحرير قد اتخذ قرار المنع منفرداً، فمن الطبيعي أن تتحمل إدارة التحرير مسؤولية قرارها.
أما إذا صحت الرواية القائلة إن تعليمات المنع جاءت من جهة أعلى، فإن السؤال يصبح:
على أي أساس عوقب رئيس التحرير؟
قضية كهذه كان يفترض أن تنتهي ببيان واضح يشرح ما حدث، لا أن تبقى روايتان متعارضتان معلقتين في المجال العام.
المجلات.. إصلاح أم قرار من فوق؟
الخلاف نفسه ظهر في ملف المجلات الثقافية التي ارتبط بعضها بتاريخ طويل للاتحاد، ومنها «الموقف الأدبي» و«التراث العربي» و«الآداب الأجنبية» و«الأسبوع الأدبي».
ليس مقدساً أن تبقى مجلة تصدر إلى الأبد بالشكل نفسه.
ومن حق أي إدارة حديثة أن تعيد تقييم جدوى الإصدارات، وأوضاعها المالية، وانتشارها، ومستواها المهني.
لكن القضية ليست في حق الإدارة بالتطوير.
القضية في كيفية اتخاذ القرار.
وقد أثار قرار الإلغاء أو الدمج اعتراضات ثقافية، وظهرت انتقادات تقول إن قراراً بهذا الحجم لم يحظَ بالنقاش المؤسساتي الذي يستحقه.
وهذا تحديداً هو الفارق بين الإصلاح والقرار الإداري.
الإصلاح عملية تشارك فيها المؤسسة.
أما القرار فيمكن أن يصدر في دقائق.
عندما تبدأ الاستقالات
لم تتوقف الأزمة عند الصحف والمجلات.
فقد استقال محمد منصور من موقعه، كما غادر محمد سعيد العتيق، وسط أجواء الخلافات التي شهدها الاتحاد.
والاستقالة حق شخصي، ولا يجوز تلقائياً تفسير كل استقالة باعتبارها إدانة للإدارة.
لكن عندما تتزامن استقالات من هيئة قيادية مع خلافات معلنة حول طريقة اتخاذ القرار، فإنها تتحول إلى مؤشر يستحق السؤال والتحليل.
المؤسسات لا تُقاس فقط بعدد الأشخاص الذين تستطيع تعيينهم، وإنما أيضاً بقدرتها على الاحتفاظ بالتنوع داخل قيادتها، بما في ذلك الأصوات التي تختلف مع رئيسها.
ومن دمشق إلى الفروع
وفي سبتمبر/أيلول الجاري عاد ملف الإعفاءات إلى الواجهة من بوابة فرع حلب، مع إقالة رئيس الفرع زياد كمال حمامي وإحالته إلى التحقيق، وتكليف محمد رياض وتار، رئيس فرع إدلب، بالإشراف مؤقتاً على فرع حلب وتشكيل لجنة لتسيير أعماله.
وبحسب الرواية المنشورة، جاء الإجراء بعد شكوى تضمنت اتهامات بمخالفات إدارية ومسلكية.
ومن البديهي أن من حق الاتحاد التحقيق في أي شكوى ومحاسبة أي مسؤول تثبت مخالفته.
لكن المبدأ نفسه الذي نطالب به في حماية الأشخاص يجب تطبيقه في محاسبتهم: إجراءات واضحة، صلاحيات محددة، ونتائج معلنة بعد التحقيق.
فالشفافية لا تعني عدم المحاسبة، بل تجعل المحاسبة أكثر مصداقية.
المشكلة ليست في أحمد جاسم الحسين وحده
سيكون من السهل اختزال كل ما يجري في شخص رئيس الاتحاد.
لكن ذلك سيكون تبسيطاً للمشكلة.
فالقضية الحقيقية هي النظام الذي يسمح لرئيس أي مؤسسة ثقافية بأن تكون حدود صلاحياته موضع خلاف أصلاً.
إذا كان أحمد جاسم الحسين يمتلك قانوناً حق تعيين وإعفاء أعضاء المكتب التنفيذي ورؤساء الفروع ورؤساء التحرير، فمن حقه ممارسة صلاحياته، وعلى الاتحاد أن ينشر الأساس القانوني الذي يمنحه هذه السلطة.
أما إذا كانت القرارات تحتاج إلى تصويت المكتب التنفيذي أو موافقة جهة أخرى، فينبغي أن يعرف أعضاء الاتحاد أن ذلك حدث فعلاً.
المؤسسات لا تُبنى على افتراض حسن نيات الأشخاص.
تُبنى على أنظمة تجعل حسن النيات أو سوءها أقل تأثيراً في القرار.
ماذا يعني أن تكون رئيساً لاتحاد الكتّاب؟
رئيس اتحاد الكتّاب ليس مدير شركة خاصة.
ولا يفترض أن يكون اتحاد الكتّاب مؤسسة تتغير مواقعها الإدارية وفق علاقة الرئيس بهذا الكاتب أو ذاك.
فالكاتب المختلف مع رئيس الاتحاد ليس خصماً للاتحاد.
والكاتب الذي ينتقد قراراً لا يصبح عدواً للمؤسسة.
بل إن قدرة المؤسسة على استيعاب معارضي إدارتها هي أحد أهم الاختبارات الحقيقية لاستقلالها.
والمفارقة أن اتحاد الكتّاب تحديداً يجب أن يكون أكثر المؤسسات حساسية تجاه هذه المسألة.
فإذا لم يكن الاختلاف آمناً في بيت الكتّاب، فأين يكون؟
سوريا لا تحتاج المؤسسات القديمة بوجوه جديدة
عانى السوريون لعقود من مؤسسات كان المسؤول فيها أكبر من المؤسسة نفسها.
كان الرئيس يتغير أحياناً، والمدير يتغير، والأمين العام يتغير، لكن الفلسفة تبقى واحدة: القرار يأتي من الأعلى، وعلى الآخرين معرفة نتائجه بعد صدوره.
لذلك فإن إعادة بناء المؤسسات السورية بعد سقوط النظام السابق لا ينبغي أن تقتصر على استبدال الأسماء.
التغيير الحقيقي هو تغيير آلية السلطة.
ولا معنى لأن نتحدث عن سوريا جديدة إذا بقيت مؤسساتها تُدار بعقلية «عيّنا فلاناً وأعفينا علاناً» من دون أن يعرف أصحاب العلاقة، والرأي العام، القواعد التي أنتجت القرار.
ولا يجوز أن تتحول المرحلة الانتقالية إلى مبرر دائم لتعليق الانتخابات.
فالمؤسسة الثقافية لا تستعيد شرعيتها بقرار إداري، وإنما بإرادة أعضائها.
أسئلة تنتظر الإجابة
لا يحتاج اتحاد الكتّاب إلى الدفاع عن نفسه ببيانات إنشائية، بل إلى الإجابة عن أسئلة محددة:
ما الصفة القانونية الدقيقة للمكتب التنفيذي الحالي؟
من يملك صلاحية تعديل تشكيلته؟
ما مصير مروة حلاوة وفدوى العبود في التشكيلة الجديدة، وما القرار الذي حدد ذلك؟
وفق أي آلية انضم محمد رياض وتار وعمار النهار إلى المكتب التنفيذي؟
ما حدود صلاحيات رئيس الاتحاد في التعيين والإعفاء؟
هل تُعرض القرارات الأساسية على المكتب التنفيذي للتصويت، وهل توجد محاضر لهذه الاجتماعات؟
ماذا انتهى إليه الخلاف بشأن منع مقال محمد منصور وإقالة حسن قنطار؟
ومتى ستجرى الانتخابات التي تنقل الاتحاد من شرعية التكليف المؤقت إلى شرعية اختيار أعضائه؟
الإجابة عن هذه الأسئلة لا تضعف رئيس الاتحاد.
بل إن الإجابة عنها هي التي تمنح المؤسسة مصداقيتها.
الاتحاد أكبر من رئيسه ومعارضيه
ليس المطلوب اتحاداً بلا قيادة، ولا رئيساً بلا صلاحيات، ولا مؤسسة تخشى اتخاذ القرارات الصعبة.
المطلوب أبسط من ذلك وأصعب:
مؤسسة يكون النظام فيها أقوى من الأشخاص.
اتحاد الكتّاب ليس ملكاً لرئيسه، وليس ملكاً لمعارضي رئيسه، وليس إرثاً سياسياً لأحد.
إنه، أو يفترض أن يكون، بيتاً للكتّاب السوريين على اختلاف أفكارهم ومواقفهم.
وإذا كانت سوريا تحاول اليوم الخروج من تاريخ طويل اختُزلت فيه المؤسسات بالأشخاص، فإن اتحاد الكتّاب أمام فرصة لأن يقدم نموذجاً مختلفاً، لا نسخة مخففة من الماضي.
قرار معلن.
صلاحيات معلومة.
اختلاف محمي.
محاسبة عادلة.
وانتخابات تمنح أعضاء الاتحاد حق اختيار من يمثلهم.
أما أن تتغير الأسماء وتبقى الأسئلة نفسها، فلن يكون ذلك إصلاحاً.
سيكون مجرد تغيير في قائمة الجالسين حول الطاولة.
ويبقى السؤال الأهم:
هل يريد اتحاد الكتّاب العرب أن يكون مؤسسة للكتّاب، أم مؤسسة تُدار باسمهم؟

More Stories
«القتل بدوام كامل» تحصد جائزة خيري شلبي للرواية الأولى.
أعمال تتنافس على جائزة الأدب في معهد العالم العربي
«تجارة الأحلام».. مئة عام من الإعلان ترسم ملامح مصر وتحولاتها.