يواجه الفنانون التشكيليون في اليمن أزمة غير مسبوقة، بعدما دفعتهم سنوات الحرب وتدهور الأوضاع الاقتصادية إلى بيع لوحاتهم بأسعار متدنية، أو الابتعاد عن الفن والبحث عن أعمال أخرى تؤمّن احتياجات أسرهم اليومية.
واضطر الفنان اليمني شهاب المقرمي إلى عرض أعماله عبر منصات التواصل الاجتماعي بنصف قيمتها، وأحياناً بأقل من ذلك، في محاولة لتغطية نفقات المعيشة. ويقول المقرمي، وهو موظف حكومي وأب لستة أبناء، إن الفن في اليمن يمر بواحدة من أصعب مراحله، وسط انقطاع الرواتب وتراجع الخدمات وانخفاض القدرة الشرائية.
ولم يعد اقتناء اللوحات أولوية لدى اليمنيين الذين يواجهون ضغوطاً معيشية قاسية، فيما اختفى جزء كبير من الجمهور الذي كان يهتم بالأعمال الفنية، بالتزامن مع توقف السياحة وإغلاق قاعات العرض والمساحات الثقافية.
وبحسب مصادر ثقافية وحكومية تحدثت إلى وكالة رويترز، أُغلق معظم «بيوت الفن» التي أنشأتها وزارة الثقافة منذ عام 2004، وكان عددها قد بلغ 17 بيتاً فنياً بحلول عام 2014. ولم يبقَ منها مفتوحاً في مناطق سيطرة الحوثيين سوى بيتَي الفن في صنعاء وذمار، بينما لا تزال معظم المراكز الواقعة في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية متعثرة أو مغلقة.
وكانت هذه البيوت توفر قاعات للمعارض ومراسم مفتوحة ومكتبات متخصصة، كما أتاحت للفنانين الشباب فرصة عرض تجاربهم وتطوير مهاراتهم. وأدى غيابها إلى تفكيك التجمعات الفنية وتراجع الفعاليات والمسابقات وورش العمل.
ويرى الفنان حكيم العاقل، النقيب السابق للفنانين التشكيليين اليمنيين، أن الحرب لم تستنزف الفنانين وحدهم، بل أضعفت حضور الجمال في المجتمع، بعدما تحوّل اقتناء الأعمال الفنية إلى رفاهية مؤجلة أمام الاحتياجات الأساسية.
ورغم التهميش، يؤكد العاقل أن اللوحة لا تزال وسيلة مهمة لتوثيق الذاكرة الوطنية والتعبير عن معاناة اليمنيين وتطلعاتهم إلى السلام، محذراً من أن تدهور الأمان المعيشي للمبدعين يهدد الموروث البصري والثقافي للبلاد.
وقد دفعت الأزمة مئات الفنانين إلى الهجرة نحو دول عربية وأوروبية، بينما اتجه كثير ممن بقوا في اليمن إلى التدريس أو الحرف اليدوية وغيرها من المهن. ويقول فنان من عدن عرّف نفسه باسم «أبو سعيد» إنه ترك الفن واتجه إلى العمل في مدرسة خاصة، بعدما أصبح عاجزاً عن إعالة أسرته من بيع لوحاته.
ولا توجد إحصاءات رسمية حديثة لعدد الفنانين التشكيليين في اليمن، إلا أن تقديرات غير رسمية تشير إلى وجود نحو ثلاثة آلاف فنان وفنانة.
من جانبها، تؤكد الفنانة والأكاديمية إلهام العرشي أن الفن جزء من هوية المجتمع، وأن حمايته مسؤولية ثقافية ومؤسسية، مطالبة بعدم ترك الفنان وحيداً أمام تداعيات الحرب وغياب الدعم الرسمي.
أما الكاتب والباحث أحمد الأغبري، فيرى أن الفن التشكيلي اليمني عانى ضعف الاهتمام المؤسسي حتى خلال فترات الاستقرار، قبل أن تأتي الحرب لتفقد الفنانين مراكزهم ومعارضهم وجمهورهم. ودعا الفنانين إلى إعادة تنظيم أنفسهم ضمن كيان نقابي قادر على حماية حقوقهم وتهيئة بيئة تتيح عرض تجاربهم واستعادة حضورهم.
وبين بيع اللوحات بنصف قيمتها، وإغلاق بيوت الفن، وهجرة المبدعين، يخوض الفن التشكيلي اليمني معركة صامتة للبقاء؛ محاولاً حماية ذاكرة البلاد من أن تبتلعها الحرب، والإبقاء على مساحة للجمال وسط واقع مثقل بالقسوة.
الفن التشكيلي في اليمن يصارع الحرب.. لوحات بنصف الثمن وفنانون يبحثون عن لقمة العيش
زوار يتأملون لوحات لفنانين يمنيين توثّق آثار الحرب ومعاناة الإنسان ـ صنعاء.

More Stories
كتارا تتوّج الفائزين بجائزة الرواية العربية 2026 بمشاركة قياسية
«صفر فاصل خمسة».. حين يصبح الهروب من الملل مغامرة في عالم الذكاء الاصطناعي”
توقف بيع كتب سالي روني في بريطانيا بسبب دعمها «فلسطين أكشن»