سبتمبر 12, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

تطوير مطار المزة يثير مخاوف بشأن مقابر جماعية وحقوق ملكية الأراضي

مطار المزة بين خطط التطوير ومخاوف الحفاظ على حقوق الضحايا والأراضي.

دمشق – رويترز
أثارت خطط الحكومة السورية لتحويل مطار المزة العسكري السابق في دمشق إلى مطار مدني مخاوف منظمات حقوقية وسكان محليين، وسط تحذيرات من أن أعمال التطوير قد تمس مواقع يشتبه في احتوائها على مقابر جماعية، إضافة إلى نزاعات قديمة بشأن ملكية الأراضي التي أُقيم عليها المطار.
وتستعد الهيئة العامة للطيران المدني السوري لإعادة تصنيف مطار المزة ليصبح مطاراً مدنياً محدوداً ومتخصصاً بالطيران الخاص والتنفيذي، مكملاً لمطار دمشق الدولي، فيما بدأت بالفعل أعمال إزالة الركام وتحديث البنية التحتية.
ويضع المشروع السلطات السورية أمام ملفين شديدي الحساسية من إرث حكم عائلة الأسد: مصير عشرات الآلاف من المفقودين والمختفين قسراً، وحقوق أصحاب الأراضي التي تعرضت للمصادرة ونزع الملكية خلال العقود الماضية.
وثائق تكشف عمليات إعدام
كشفت وثائق تابعة للمخابرات الجوية حصل عليها المركز السوري للعدالة والمساءلة أن مسؤولين عسكريين كباراً وافقوا عام 2012 على استخدام مطار المزة موقعاً لتنفيذ أحكام إعدام بحق معتقلين صدرت بحقهم أحكام من محاكم ميدانية عسكرية.
وتشير الوثائق إلى مناقشة نقل تنفيذ بعض أحكام الإعدام من سجن صيدنايا إلى مطار المزة، باعتباره مجمعاً أمنياً مغلقاً وقريباً من دمشق. كما أظهرت مراسلات لاحقة بحث استخدام ميدان للرماية، ثم حظيرة طائرات مجاورة للمدرج، لتنفيذ عمليات الإعدام.
وتضمنت التعليمات إنشاء منصة داخل إحدى الحظائر وتأمين حبال من النايلون، على أن تتم العمليات تحت إشراف المخابرات الجوية وبـ«أقصى درجات السرية».
وحدد تحقيق أجراه المركز السوري للعدالة والمساءلة عام 2025 موقعين داخل المطار يشتبه في أنهما مقبرتان لأشخاص توفوا أثناء الاحتجاز، مشيراً إلى أن أكثر من 1150 معتقلاً لقوا حتفهم في مرافق الاحتجاز بالمزة، سواء بالإعدام أو نتيجة التعذيب وسوء المعاملة.
وكان المركز قد أرسل في يوليو/تموز 2025 إحداثيات الموقعين المشتبه بهما إلى الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا، مطالباً بوقف أي أعمال حفر أو بناء إلى حين إجراء التحقيقات اللازمة.
ومع الإعلان عن مشروع تطوير المطار، جدد المركز تحذيره في الثامن من سبتمبر/أيلول، مؤكداً أن أعمال الحفر وإزالة الأنقاض قد تؤدي إلى إتلاف رفات بشرية وأدلة ضرورية لتحديد هويات الضحايا.
وقال عامر مطر، مؤسس متحف سجون سوريا، إن إنشاء مطار تجاري في موقع قد يحتوي على مقابر جماعية من دون تحقيق شامل وحماية الموقع والبحث عن المفقودين والحفاظ على الأدلة يمثل تجاهلاً لمعاناة العائلات التي لا تزال تبحث عن مصير ذويها.
ولم ترد الهيئة العامة للطيران المدني أو الهيئة الوطنية للمفقودين أو وزارة الدفاع على الأسئلة المتعلقة بالمقابر المشتبه بها ومطالبات ملكية الأراضي.
نزاع قديم على ملكية الأراضي
ولا تقتصر القضية على ملف المفقودين، إذ أثار الإعلان عن تطوير المطار احتجاجات لسكان يقولون إن لهم حقوقاً موثقة في الأراضي المقام عليها.
وتظهر سجلات صادرة عن بلدية المعضمية أن المطار أُقيم على أراض مملوكة لمئات المواطنين، تبلغ مساحتها نحو 2.76 كيلومتر مربع.
وقال مسؤول سابق في البلدية إن مراسيم المصادرة شرعنت لاحقاً استخدام الدولة لهذه الأراضي بعد بناء المطار عام 1956، من دون دفع التعويضات المستحقة لأصحابها.
وعقب الإعلان عن خطط التطوير، نظم سكان في المعضمية احتجاجاً للمطالبة بتسوية حقوق الملكية قبل المضي في المشروع. وقال أحد منظمي الاحتجاج إن السكان لا يعارضون الاستثمار، لكنهم يطالبون بالاعتراف بحقوقهم الموثقة والتفاوض بشأنها قبل تنفيذ المشروع.
ويأتي الجدل في وقت تتزايد فيه الدعوات لمعالجة ملف الممتلكات المصادرة خلال العقود الماضية. وكان خبراء في الأمم المتحدة قد دعوا الحكومة السورية في الثاني من سبتمبر/أيلول إلى مراجعة وإلغاء التشريعات التي أتاحت مصادرة الممتلكات بصورة منهجية في عهد الأسد، وإنشاء آليات لإعادة الممتلكات إلى أصحابها الشرعيين أو تقديم تعويضات مناسبة.
وبين خطط إعادة تأهيل المطار، وضرورة حماية الأدلة المرتبطة بالمفقودين، ومطالب أصحاب الأراضي، يتحول مشروع مطار المزة إلى اختبار لقدرة السلطات السورية على الموازنة بين إعادة الإعمار والاستثمار من جهة، ومعالجة ملفات العدالة والحقوق المتراكمة من العقود الماضية من جهة أخرى.
المصدر: رويترز