تعود الروائية المصرية ريم بسيوني إلى التاريخ مجدداً، لكن هذه المرة عبر بوابة مختلفة، إذ تفتح في روايتها الجديدة “كوم النور.. عباس حلمي الثاني” نافذة على شخصية واحدة من أكثر حكام مصر إثارة للجدل: الخديوي عباس حلمي الثاني، الذي ظل عالقاً بين رواية السلطة ورواية الناس.
العمل الصادر عن دار نهضة مصر لا يتعامل مع التاريخ بوصفه سرداً جامداً للأحداث، بل يحاول إعادة تشكيله إنسانياً وشعبياً، عبر حكاية تنطلق من قرية مصرية بسيطة في الدقهلية تحمل اسم “كوم النور”، حيث يتحول الراوي الشعبي العجوز “الحاج عبد الله هلال” إلى شاهد على زمن كامل، يروي الخديوي كما أحبّه الناس لا كما وصفته الوثائق الرسمية.
ريم بسيوني، المعروفة باهتمامها بإحياء طبقات منسية من التاريخ المصري، تقول إن اسم عباس حلمي الثاني ظل يطاردها في القاهرة؛ من المتحف الإسلامي إلى جامعة القاهرة ومساجد المماليك، لتبدأ رحلة البحث خلف الرجل الذي ارتبط اسمه بمشروعات ثقافية وعمرانية كبرى، وبمحاولات متكررة لمقاومة النفوذ البريطاني قبل خلعه عام 1914.
الرواية لا تكتفي بتقديم صورة الحاكم الوطني، بل تذهب أبعد من ذلك، نحو تفكيك شخصيته الإنسانية وعلاقاته العائلية، فتظهره ابناً متعلّقاً بوالدته، وأباً حنوناً، وزوجاً يعيش تناقضات السلطة والمنفى.
ومن أكثر خطوط الرواية إثارة، شخصية “أم الشعور”، البهلوانة الغامضة التي تمشي على الحبل بخفة ومهارة، في استعارة ذكية لمسيرة الخديوي نفسه، الذي بدا طوال حياته وكأنه يسير فوق حبل سياسي مشدود بين الاحتلال البريطاني وطموحه لاستقلال مصر.
كما تستحضر الرواية شخصيات بارزة من تلك المرحلة، من بينها مصطفى كامل وطه حسين وسهير القلماوي، لتنسج صورة واسعة لمصر في زمن التحولات الكبرى، بين نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
وفي النهاية، تبدو “كوم النور” أقرب إلى محاولة أدبية لاستعادة روح زمن كامل، حيث يمتزج التاريخ بالحكاية الشعبية، ويخرج الخديوي عباس حلمي الثاني من كتب التاريخ الرسمية إلى ذاكرة الناس من جديد.
“كوم النور”.. ريم بسيوني تستدعي الخديوي عباس حلمي الثاني من ذاكرة المصريين
بعض الروايات لا تعيد كتابة التاريخ فقط، بل تعيد اكتشاف البشر المختبئين خلفه.

More Stories
الدوحة تحتفي بالكتاب.. انطلاق الدورة الـ35 لمعرض الدوحة الدولي للكتاب بمشاركة 520 دار نشر
جائزة الشارقة للإبداع العربي تطلق دورتها الثلاثين لاستقبال المخطوطات الأولى
الرباط تحتفي بمئوية بدر شاكر السياب… شاعر غيّر مجرى القصيدة العربية