مايو 23, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

ملك سويسرا” المثير للجدل.. كيف بنى شاب من أصول مغربية

بين ثغرات القانون وشغف الشهرة، تحوّل جوناس لاوينر من شاب مغمور إلى ظاهرة هزّت سويسرا وأحرجت مؤسساتها العقارية. قصة تبدو أقرب إلى الخيال، لكنها تكشف كيف يمكن للذكاء القانوني والإعلامي أن يصنعا نفوذاً حقيقياً حتى داخل أكثر الدول تنظيماً.

إمبراطورية عقارية داخل واحدة من أكثر دول العالم صرامة؟

في بلد يُعرف بدقته القانونية الصارمة، ونظامه الإداري المعقد، وحرصه الشديد على تنظيم الملكية العقارية، بدت قصة الشاب السويسري من أصول مغربية جوناس لاوينر وكأنها سيناريو لفيلم سياسي ساخر أكثر من كونها حدثاً حقيقياً.
لكن المفاجأة أن القصة حقيقية بالفعل.
فخلال سنوات قليلة فقط، تمكن هذا الشاب الثلاثيني من الاستحواذ على نحو 149 قطعة أرض موزعة على عدة كانتونات سويسرية، بمساحة إجمالية تجاوزت 117 ألف متر مربع، قبل أن يعلن نفسه “ملكاً على سويسرا”، ويؤسس ما أسماه “إمبراطورية لاوينر”، في تجربة غريبة جمعت بين العقارات والسياسة والاستعراض الإعلامي والبحث عن النفوذ.
القضية لم تبق مجرد مادة للتندر على وسائل التواصل، بل تحولت إلى ملف أثار قلق البلديات السويسرية، ودفع سياسيين للمطالبة بتعديل القوانين العقارية، بعد أن اكتشفوا أن ثغرات قانونية قد تسمح لأي شخص يمتلك الصبر والمعرفة البيروقراطية ببناء نفوذ حقيقي داخل الدولة.
من هدية عيد ميلاد إلى مشروع “إمبراطوري”
تعود بداية الحكاية إلى عيد ميلاد جوناس لاوينر العشرين، حين حصل من والده على قطعة أرض صغيرة في كانتون فاليه السويسري.
في البداية لم يكن الأمر يتجاوز هدية عائلية عادية، لكن الشاب بدأ تدريجياً بالاهتمام بملفات الملكية العقارية، ليكتشف شيئاً غريباً: هناك أراضٍ في سويسرا لا يطالب بها أحد.
بعض هذه الأراضي كانت مهجورة منذ عقود، وأخرى تعود لورثة متوفين لم يستكملوا الإجراءات القانونية، فيما اختفت ملكية بعضها داخل تعقيدات البيروقراطية والنزاعات القديمة.
وبحسب النظام السويسري، فإن بعض تلك الأراضي يمكن تسجيلها مجدداً بعد استيفاء شروط قانونية معينة، خصوصاً إذا لم يعترض أحد خلال مدة محددة.
هنا بدأت الفكرة
راح لاوينر يفتش في السجلات العقارية القديمة، ويتابع ملفات الأراضي المنسية، ثم يتقدم بطلبات رسمية للحصول عليها، قطعة بعد أخرى، مستفيداً من ثغرات لم تكن السلطات تتوقع أن تتحول يوماً إلى مشروع واسع بهذا الحجم.
149 قطعة أرض و83 طريقاً
خلال أكثر من عقد، تمكن جوناس لاوينر من جمع عشرات العقارات الصغيرة والمتوسطة في تسعة كانتونات سويسرية.
لكن المفاجأة الأكبر لم تكن في المساحة الإجمالية فقط، بل في طبيعة بعض الممتلكات التي حصل عليها.
فمن بين الأراضي التي استحوذ عليها، هناك أجزاء من طرق داخل مناطق سكنية، وغابات، وممرات، ومساحات قرب مشاريع عمرانية.
وتشير التقارير إلى أنه أصبح يملك 83 مقطع طريق داخل أحياء مختلفة، ما منحه سلطة قانونية في بعض الملفات المرتبطة بالبناء أو المرور أو أعمال الصيانة.
وفي بعض الحالات، بدأ يفرض رسوماً أو يطالب بتعويضات مرتبطة باستخدام تلك الطرق، ما أثار غضب السكان والبلديات.
فجأة اكتشفت السلطات أن شخصاً واحداً، لم يكن معروفاً قبل سنوات، أصبح يمتلك نفوذاً عقارياً معقداً داخل مناطق متفرقة من البلاد.
إعلان “الإمبراطورية”
لكن جوناس لاوينر لم يتصرف كرجل أعمال عقاري تقليدي.
فبدلاً من الاكتفاء بالاستثمار العقاري، قرر بناء سردية كاملة حول نفسه.
أنشأ ما سماه “إمبراطورية لاوينر”، وصمم علماً خاصاً بها، وأطلق لقب “الإمبراطور” على نفسه، بل نظم مراسم تتويج داخل كنيسة “نيديك” التاريخية في مدينة برن عام 2019.
ظهر يومها مرتدياً تاجاً وزياً ملكياً ويحمل سيفاً، وسط حضور مدعوين وشخصيات تم استئجار بعضها للمشاركة في الطقوس الاحتفالية.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد.
فقد أطلق موقعاً إلكترونياً يعرض فيه “النشيد الوطني للإمبراطورية”، وشجرة نسب العائلة الحاكمة، وحتى عملة رمزية تحمل صورته.
كما تحدث عن “الحرس الإمبراطوري” و”القوات الخاصة” التابعة لإمبراطوريته.
بالنسبة لكثيرين بدت القصة أقرب إلى عرض مسرحي ضخم، لكن آخرين رأوا فيها محاولة ذكية لبناء علامة شخصية تثير الجدل وتلفت الانتباه الإعلامي.
الدبابات والمدرعات.. بين الهواية والاستعراض
أحد أكثر الجوانب إثارة للجدل في قصة لاوينر كان ظهوره المتكرر إلى جانب مركبات عسكرية ومدرعات قديمة.
فقد امتلك مركبة استطلاع مدرعة من طراز BRDM-2 السوفييتي، إضافة إلى معدات عسكرية تاريخية استخدمت في تدريبات ومظاهر احتفالية داخل أراضٍ يملكها.
الصور التي نشرها عبر الإنترنت أظهرت رجالاً بملابس عسكرية يقفون قرب المدرعات ويحملون أعلام “الإمبراطورية”، ما دفع البعض للاعتقاد بأنه يدير ميليشيا خاصة.
لكن السلطات السويسرية أوضحت لاحقاً أن الأمر لا يتجاوز نشاطات استعراضية وهوايات مرتبطة بجمع المعدات العسكرية القديمة، رغم أنها ألغت لاحقاً ترخيص إحدى المركبات بسبب مخاوف تتعلق بالسلامة العامة.
هل كان يبحث عن المال أم الشهرة؟
السؤال الذي شغل الإعلام السويسري طويلاً هو: ماذا يريد جوناس لاوينر فعلاً؟
هل يسعى إلى الثروة؟
أم النفوذ؟
أم الشهرة فقط؟
الحقيقة أن الرجل يبدو مزيجاً من كل ذلك.
فمن جهة، منحته الأراضي التي استحوذ عليها نفوذاً قانونياً وعقارياً حقيقياً، ومن جهة أخرى استخدم هذا النفوذ لصناعة صورة “الإمبراطور الخارج عن المألوف”.
في مقابلاته الصحفية، يصر لاوينر على أنه لا يعادي الدولة السويسرية، بل يعتبر نفسه “نتاجاً لعبقريتها القانونية”، مؤكداً أنه استغل القوانين المتاحة بطريقة ذكية فقط.
ويقول إن مشروعه ليس انقلاباً على النظام، بل “تجربة فلسفية وسياسية” تثبت أن الفرد يمكنه بناء قوة حقيقية إذا فهم البيروقراطية جيداً.
قلق رسمي وتحرك سياسي
مع تصاعد الجدل، بدأت البلديات والسلطات المحلية تدرك أن القضية ليست مجرد استعراض إعلامي.
فامتلاك شخص واحد لعشرات الطرق والأراضي المهجورة خلق مشكلات قانونية معقدة تتعلق بالبناء والتخطيط العمراني وحقوق المرور.
لذلك بدأت نقاشات سياسية في بعض الكانتونات السويسرية حول ضرورة تعديل القوانين، ومنح البلديات أولوية الحصول على الأراضي المهجورة قبل انتقالها إلى أفراد يستغلون الثغرات القانونية.
القصة تحولت بذلك من “حكاية غريبة” إلى قضية دفعت مؤسسات رسمية إلى مراجعة قوانين عمرها عقود.
من الإمبراطورية إلى السياسة
المثير أيضاً أن جوناس لاوينر لم يبق مجرد شخصية استعراضية على الإنترنت.
فقد دخل الحياة السياسية المحلية، وشارك في انتخابات بلدية بمدينة بورغدورف، ثم ترشح لاحقاً ضمن قوائم سياسية في كانتون برن.
هذا الانتقال من “ملك رمزي” إلى لاعب سياسي فعلي جعل البعض يتعامل معه بجدية أكبر، خاصة أنه نجح في استغلال شهرته لبناء حضور داخل المجتمع المحلي.
الوجه الآخر للقصة
بعيداً عن الغرابة والإثارة، تكشف قصة جوناس لاوينر جانباً مهماً من المجتمعات الأوروبية الحديثة.
ففي زمن تتحكم فيه البيروقراطية المعقدة بكل شيء، يمكن لشخص واحد يمتلك المعرفة القانونية والصبر والجرأة الإعلامية أن يتحول إلى ظاهرة وطنية.
كما تكشف القصة كيف يمكن للثغرات الصغيرة داخل الأنظمة القانونية أن تتحول إلى أدوات نفوذ حقيقية إذا التقت بالطموح والذكاء والقدرة على صناعة الصورة الإعلامية.
وربما لهذا السبب تحديداً أثارت الحكاية كل هذا الجدل.
لأنها لم تكن مجرد قصة رجل أعلن نفسه ملكاً…
بل قصة نظام كامل اكتشف فجأة أن قوانينه ليست محصنة كما كان يعتقد.