مايو 23, 2026

تصدر عن مؤسسة جوليا دومنا برس للطباعة والنشر

الهرم الأكبر.. عبقرية هندسية سبقت علم الزلازل بآلاف السنين

ما كشفته الدراسة لا يضيف فقط فصلاً جديداً إلى أسرار الهرم الأكبر، بل يعيد طرح سؤال قديم بصيغة حديثة: كيف استطاعت حضارة قبل آلاف السنين أن تبني صرحاً يتحدى الزمن والزلازل معاً؟

كشفت دراسة علمية حديثة أن الهرم الأكبر في الجيزة، المعروف بهرم خوفو، لم يصمد عبر آلاف السنين بالمصادفة، بل بفضل تصميم هندسي بالغ الدقة منحه قدرة استثنائية على مقاومة الزلازل والاهتزازات الطبيعية.
ويعود بناء الهرم إلى نحو 4600 عام خلال عصر الدولة القديمة في مصر، ليكون مقبرة للفرعون خوفو، إلا أن الباحثين يرون اليوم أن هذا الصرح التاريخي يمثل أيضاً نموذجاً مذهلاً للهندسة المقاومة للكوارث.
واعتمد العلماء في دراستهم، المنشورة في مجلة Scientific Reports، على أجهزة متخصصة لرصد الاهتزازات والحركات الأرضية داخل الهرم وفي محيطه، حيث جرى قياس الاهتزازات في 37 نقطة مختلفة داخل البناء الضخم.
وأظهرت النتائج أن الهرم يتمتع باستجابة هيكلية مستقرة ومتجانسة بشكل لافت، رغم حجمه الهائل وتعقيده المعماري، وهو ما يفسر قدرته على النجاة من زلازل قوية ضربت المنطقة عبر القرون، بينما انهارت أو تضررت مبانٍ أخرى.
ويقع الهرم الأكبر بالجيزة ضمن مجمع أهرامات الجيزة، ويبلغ طول قاعدته نحو 230 متراً لكل ضلع، بينما كان ارتفاعه الأصلي يقارب 147 متراً قبل أن تؤدي عوامل التعرية وإزالة بعض الأحجار الخارجية إلى انخفاضه إلى نحو 138.5 متر حالياً.
وبحسب الباحثين، فإن عدداً من الخصائص الهندسية منح الهرم هذه المتانة الفريدة، من بينها:
القاعدة العريضة ومركز الثقل المنخفض.
التناسق الهندسي الدقيق.
التدرج في الكتلة كلما ارتفع البناء نحو القمة.
وجود غرف وممرات داخلية تساعد على امتصاص الاهتزازات.
تشييده فوق طبقة صخرية كلسية صلبة.
وأوضح عالم الزلازل المصري محمد الجابري، وهو الباحث الرئيسي في الدراسة، أن هذه العناصر “تكوّن معاً هيكلاً متوازناً ومتماسكاً”، فيما أشار الباحث عاصم سلامة إلى أن المصريين القدماء امتلكوا معرفة عملية متقدمة تتعلق بتوزيع الأحمال واستقرار الأساسات حتى وإن لم يكن مفهوم “الهندسة المقاومة للزلازل” معروفاً بصيغته الحديثة.
كما لاحظ العلماء أن خمس غرف تقع فوق “غرفة الملك” تؤدي دوراً مهماً في تخفيف الطاقة الزلزالية ومنع تضخم الاهتزازات داخل أكثر أجزاء الهرم حساسية.
وصمد الهرم الأكبر أمام زلازل تاريخية قوية، بينها زلزالا عامي 1847 و1992 اللذان ألحقا أضراراً واسعة بآلاف المباني في مصر، بينما تعرض الهرم لأضرار طفيفة فقط.
ولا يزال هذا الصرح التاريخي، إلى جانب أبو الهول وبقية أهرامات الجيزة، يجذب ملايين الزوار من مختلف أنحاء العالم، بوصفه شاهداً على واحدة من أعظم الإنجازات الهندسية في تاريخ البشرية.