ماجدولين الرفاعي
لم تكن دموع الكاتب الجزائري حامد ياسين، وهو يقف أمام قاعة خالية من الجمهور خلال حفل توقيع روايته «سفيرة من الريف»، مجرد لحظة انكسار شخصية، بل كانت مشهداً مؤلماً يستحق أن نتوقف عنده طويلاً، لأنه يطرح سؤالاً أكبر من حزن كاتب وأعمق من خيبة حفل توقيع: ماذا حدث لعلاقتنا بالكتاب، وأين أصبح موقع المثقف في مجتمعاتنا؟
في مدينة بئر العاتر الجزائرية، حضر الكاتب إلى موعده مع القراء، حاملاً روايته وما تحمله من جهد وأحلام وانتظار، لكنه لم يجد أمامه سوى المقاعد الفارغة. وحين غلبته دموعه، لم يكن يبكي بالضرورة على كتاب لم يُبع، بل ربما على كلمات كتبها ولم يجد من يأتي ليستمع إليها.
والمؤلم في الحادثة ليس غياب الجمهور وحده، بل ذلك الغياب الثقافي الذي يجعلنا نتساءل: أين القراء؟ وأين المؤسسات الثقافية؟ وأين زملاء الحرف الذين كان يمكن لحضور بعضهم أن يحوّل تلك الأمسية من لحظة انكسار إلى مناسبة للتضامن والاحتفاء بالكتابة؟
لا نعرف إن كان زملاؤه قد تلقوا دعوات إلى الحفل، ولا الظروف التي حالت دون حضور الناس، لكن المشهد يفتح باباً مشروعاً لمساءلة الوسط الثقافي عن مقدار التضامن الحقيقي بين أبنائه. فليس مطلوباً من الكاتب أن يكون مشهوراً حتى يستحق أن يجد من يشاركه فرحة إصدار كتابه.
والأكثر إثارة للأسف أننا نعيش في زمن قد يحظى فيه شخص لا يقدم سوى محتوى سطحي على وسائل التواصل الاجتماعي بمئات الآلاف، وربما الملايين من المتابعين، بينما يظل كاتب أمضى شهوراً أو سنوات في صياغة عمل أدبي يبحث عن قارئ واحد يمنحه بعضاً من وقته.
كم من مؤثر أو مؤثرة تتحول تفاصيل حياتهم اليومية إلى أحداث يتابعها الآلاف، وكم من شخصية تصنع شهرتها من التفاهة والضجيج، فتُفتح أمامها الأبواب وتُلاحقها الكاميرات، بينما يبقى صاحب الفكر والكلمة الجادة بعيداً عن الأضواء؟
ليس في ذلك انتقاص من كل صناع المحتوى، فبينهم من يقدم معرفة حقيقية ويستحق التقدير، لكن المشكلة تبدأ حين تصبح الشهرة بديلاً عن القيمة، وعدد المتابعين معياراً للمكانة، والضجيج أكثر أهمية من المعرفة.
إن ألف شخص يصفقون لتفاهة لا يجعلونها إبداعاً، كما أن غياب ألف شخص عن حفل توقيع لا يجعل الكتاب رديئاً.
ومن الظلم أن نحكم على قيمة الكاتب من عدد الكراسي التي امتلأت في حفل توقيعه، تماماً كما أنه من الخطأ أن نفترض جودة كتاب لمجرد ازدحام الجمهور حول صاحبه. فالأدب لا يُقاس بعدد الإعجابات، ولا تُمنح القيمة الفكرية بقرار من خوارزميات مواقع التواصل.
وقد يكون في ضعف الإعلان عن الحفل، أو سوء تنظيمه، أو محدودية انتشار الكتاب، ما يفسر غياب الجمهور،لكن هذه الاحتمالات لا تلغي السؤال الأساسي عن مكانة القراءة، وعن مسؤولية المؤسسات الثقافية ودور النشر في بناء جسور حقيقية بين الكاتب والقارئ.
إن الكاتب لا يحتاج إلى جمهور يصفق له مجاملة، بل إلى مجتمع يقرأ ويناقش ويختلف، وإلى بيئة ثقافية لا تتركه وحيداً في مواجهة الصمت.
أما زملاء المهنة، فإن التضامن بينهم لا ينبغي أن يبدأ بعد انتشار مقطع مؤلم على مواقع التواصل. فالثقافة ليست منافسة على الأسماء والمقاعد والجوائز، وإنما مسؤولية مشتركة تجاه الكلمة والمعرفة.
ولعل المفارقة الأكثر قسوة أن دموع هذا الكاتب استطاعت أن تجذب آلاف المشاهدات بعدما عجز كتابه عن جذب الحاضرين إلى القاعة. وكأن الكاتب كان عليه أن يبكي أولاً حتى ينتبه الناس إلى وجوده.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية: أن نلتفت إلى وجع المبدع أكثر مما نلتفت إلى إبداعه، وأن نمنحه التعاطف بعدما نحجبه عنه في لحظة كان يحتاج فيها إلى الاهتمام.
إلى الكاتب حامد ياسين أقول:
لا تجعل المقاعد الفارغة مقياساً لقيمتك، ولا تسمح لغياب الجمهور أن يهزم علاقتك بالكلمة. قد لا يأتي القارئ اليوم، وقد يتأخر الاعتراف سنوات، لكن الأدب الحقيقي لا يُولد من التصفيق، ولا يموت بالصمت.
ولعلنا نحن الذين ينبغي أن نخجل من هذا المشهد، لا الكاتب الذي بكى.
فليس عاراً على الكاتب أن يجلس وحيداً أمام كتابه، وإنما العار أن يصبح الكتاب غريباً في مجتمع يزدحم بكل شيء إلا القراءة.

More Stories
أربيل تحتفي بالكتاب.. أكثر من مليون عنوان في الدورة الثامنة عشرة لمعرضها الدولي
«الغد بين دفتي كتاب».. الجزائر تستعد لاستقبال أكثر من 1500 دار نشر من 51 دولة
الأدب السعودي يترك بصمته في باريس.. ندوات وتوقيعات وإصدارات مترجمة في الملتقى الدولي للكتاب العربي