يستعيد الكاتب الفلسطيني مصعب عيسى في مجموعته القصصية «جدران» ذاكرة مخيم درعا للاجئين الفلسطينيين، مستحضراً تفاصيل المكان وحكايات أبنائه وما اختزنته أزقته وجدرانه من صور النكبة واللجوء والحب والفقد، في عمل أدبي يجعل من المخيم شاهداً على حياة أجيال تعاقبت وهي تحمل فلسطين في الذاكرة.
وصدرت المجموعة عن دار رومنس للقرن الواحد والعشرين في الجزائر، بإشراف الأديبة والإعلامية الجزائرية سليمة مليزي، لتقدم تجربة أدبية تنطلق من بيئة يعرفها الكاتب عن قرب، فهو ابن مخيم درعا الذي ولد ونشأ بين أزقته وحمل تفاصيله معه إلى الكتابة.
ولا تظهر الجدران في المجموعة بوصفها حجارة تحدد البيوت والأزقة فحسب، بل تتحول إلى ذاكرة حية للمكان؛ تحمل صور الشهداء، وكتابات العشاق، ورسوم الغرافيتي والشعارات، وتحتفظ بآثار أناس مروا من هناك وتركوا حكاياتهم معلقة على جدار أو مختبئة في زاوية من زوايا المخيم.
ومن خلال شخصياته وحكاياته، يقترب عيسى من حياة اللاجئ الفلسطيني وأسئلته المتصلة بالوطن والهوية والانتماء، ومن ذلك شخصية مصطفى التي تتقاطع تجربتها مع واقع المخيم والبحث الدائم عن وطن وحب وحلم قادر على مقاومة الفقد.
ويمنح مخيم درعا العمل خصوصيته، فلا يعود مجرد خلفية للأحداث، وإنما يتحول إلى أحد مكونات السرد الأساسية. ففي أزقته تتوارث الأجيال حكايات فلسطين، وتبقى أسماء المدن والقرى والمفاتيح القديمة والوصايا العائلية جسراً بين وطن غادره الأجداد ومكان وُلد فيه الأبناء والأحفاد.
ويكتب مصعب عيسى: «وجدران المخيم مستودع متراكب بين النكبة والعودة… وتلافيف ذاكرة لا تهدأ»، وهي عبارة تختصر جانباً من رؤيته للمكان، حيث يصبح الجدار سجلاً لما يصعب على الذاكرة الفردية وحدها الاحتفاظ به.
ويقترب الكاتب كذلك من الإحساس المركب بهوية اللاجئ وما يرافقها من أسئلة الحقوق والمواطنة والانتماء، قائلاً:
«أنا لاجئ.. كامل الحرمان… نسبي الحقوق… بنصف مواطنة.. ولكنني لاجئ متعدد الانطباعات.. وعلى قيد الحياة».
ورغم حضور الفقد والمنفى، لا تنغلق «جدران» على الحزن، إذ تترك مساحة للأمل والتمسك بالقضية والذاكرة، وهو ما يظهر في عبارة أخرى للكاتب:
«الأمل باق ما بقي هذا المخيم… طالما بقي المخيم فالقضية باقية».
بهذا المعنى، تقدم «جدران» مجموعة من الحكايات التي تتجاوز حدود أصحابها لتلامس ذاكرة جماعية فلسطينية؛ ذاكرة تشكلت بين وطن غائب ومخيم طال بقاؤه، وبين جيل عاش النكبة وأجيال ورثت حكايتها.
ومن مخيم درعا، يحاول مصعب عيسى أن يحفظ بالكلمات ما يمكن للحروب والتهجير وتبدل الأمكنة أن تمحوه، لتغدو الجدران في مجموعته القصصية صفحات مفتوحة، تحمل حكايات أناس ظل الوطن بالنسبة إليهم ذاكرة وهوية وحلماً بالعودة.

More Stories
شقيق الأميرة ديانا يفتح خزائن الذاكرة في كتاب جديد قبل الذكرى الثلاثين لرحيلها
صلاح القصب يرحل عن 81 عاماً.. رائد «مسرح الصورة» الذي غيّر لغة الخشبة العراقية
جائزة كتارا للرواية العربية تكشف القوائم القصيرة لدورتها الثانية عشرة